أسلوب التحكم كمصدر متعة في الألعاب

واجهة لعبة دكتور هو Doctor Who كما ظهرت على موقع جوجلكيف صنعت لعبة دكتور هو (Doctor Who) متعتها رغم بساطة فكرتها؟

في يوم 23 نوفمبر 2013 احتلت واجهة محرك البحث جوجل (Google) خربشة (Doodle) احتفالاً بمرور 50 عاماً على انطلاق أطول مسلسل في التاريخ -حسب موسوعة جينيس للأرقام القياسية- مسلسل الخيال العلمي البريطاني دكتور هو (Doctor Who)، وكانت خربشة جوجل بهذه المناسبة ليست فقط مجرد إعادة تصور لشعار جوجل (Google) انطلاقاً من هذه المناسبة، بل كان عبارةً عن لعبة بسيطة -كما فعلت مع بعض المناسبات-، وكعادتي مع ألعاب واجهة جوجل تعاملت معها بنوع من الاستهتار ونظرت لها على أنها لعبة دعائية أخرى سخيفة لا تستحق إضاعة الوقت في تجربتها، ولا أدري ما الذي دفعني وقتها لخرق قاعدتي وإعطاء اللعبة فرصة لتجربتها، ولكن الحمد لله أني فعلت، فهذه اللعبة البسيطة كان عندها الكثير لتقوله لي.

بدأت ألعب اللعبة، وكانت فكرتها بسيطة جداً، وهي أنه في كل مرحلة على اللاعب السير في متاهة صغيرة للوصول إلى حرف من حروف كلمة جووجل (Google) الموزعة على مراحل اللعبة، متفادياً بعض الأعداء والعقبات القاتلة، ثم العودة إلى بداية المرحلة إلى كابينة الشرطة التي خرج منها البطل في البداية، وبالمناسبة كابينة الشرطة في الحقيقة وفقاً للمسلسل ليست إلا الشكل الخارجي لآلة الزمن التي يتنقل بها بطل المسلسل عبر الزمن.

3

بدأت تجربة اللعبة وقناع الضجر مرسوم على وجهي من قبل تشغيلها لمجرد فكرة أني سألعب لعبة على واجهة جوجل، ومع خطواتي الأولى في اللعبة انتصب ظهري وتغيرت نظراتي لتتحول إلى الفضول، فما الذي جعل لعبة متاهة بسيطة على واجهة جوجل مصممة لغرض الدعاية تفعل كل هذا؟ الجواب ببساطة: أني لم أعرف كيف أحرك البطل، وأخذت بشغف وفضول أجرب أزرار التحكم / الحركة الرئيسية زراً زراً، وأستكشف الحركة التي سيقوم بها البطل، وحتى بعدما عرفت التحكم لم أستطع إتقانه رغم بساطته! اللعبة تسمح للبطل التحرك في أربع اتجاهات فقط، وتسمح لك بالتحكم بهذه الاتجاهات من خلال أزرار لوحة المفاتيح W / S / A / D، وهذا ليس بالأمر الجديد، الجديد هنا أن هذه الأزرار مرتبة على لوحة المفاتيح على شكل علامة زائد + بينما حركة بطل اللعبة تتم في أربع اتجاهات مرتبة على شكل علامة الضرب ×، وهنا تكمن عبقرية اللعبة. لو فرضنا أن ترتيب أحرف لوحة المفاتيح الأربعة تمثل الجهات الأربع -الشرق والغرب والشمال والجنوب-، وأن حركة البطل تمثل الاتجاهات: الشمال الشرقي والشمال الغربي والجنوب الشرقي والجنوب الغربي، فإنه: لتحريك البطل نحو الشمال الشرقي علينا الضغط على الزر W ولتحريكه نحو الشمال الغربي علينا الضغط على الزر A ولتحريكه نحو الجنوب الشرقي علينا الضغط على الزر D ولتحريكه نحو الجنوب الغربي علينا الضغط على الزر S وللتوضيح أكثر إليكم الصورة التالية من اللعبة (اضغط على الصورة لتكبيرها):

2

هذا التغيير البسيط في اللعبة بعدم تطابق مسارات الحركة مع مسارات التحكم استطاع تحويل لعبة متاهة بسيطة حد السذاجة إلى لعبة تقدم متعة وتحدي للاعب بشكل عبقري، ففي كثير من الأحيان كانت تضعني اللعبة عند أي مفترق طرق في حيرة من أمري لا أعرف أي زر سأضغط للذهاب إلى الناحية التي أريد، وكثيراً من الأحيان تتركني أجرب الأزرار الأربع زراً زراً لتحديد وجهتي، وقد يصبح الأمر ممتعاً جداً عندما يكون عليك مسابقة الزمن والضغط على الزر الصحيح بسرعة لتفادي أعداءك، والأجمل عندما ترى عدوك يقترب منك وأنت مرتبك تجرب أكثر من زر لتفاديه والهرب منه.

ما أثارته لعبة دكتور هو Doctor Who في عقلي عند تجربتها، هو القدرات الكامنة لأسلوب التحكم، وأن أسلوب التحكم بإمكانه أن يكون مصدر متعة في حد ذاته إذا تم تصميمه بعناية، ونسف ذلك فكرة سابقة في عقلي مفادها: أن على مصمم أي لعبة أن يكون همه عند تصميم أسلوب التحكم أن يجعله عملياً ومريحاً فقط لاغير، فلعبة دكتور هو Doctor Who كما قلت تحولت بشكل كبير من لعبة بسيطة ساذجة إلى لعبة ممتعة لأنها تخلت عن نظام التحكم المريح الذي كان بإمكانها الالتزام به، وانتهجت عوضاً عن ذلك أسلوب تحكم به شيء من الصعوبة، ويحتاج إلى شيء من التعلم والتعود، وقدمت متعة ترتكز على نقطتين: الأولى: التعلم والإتقان، فأسلوب التحكم يحتاج إلى فترة من اللعب والتمرين والتركيز لإتقانه، وتقدم لذلك منحنى تصاعدي جيد ومتوازن لتطوير مستوى اللاعب وسرعة لعبه وقلة أخطائه في تحريك البطل. والثانية: الصعوبة والتحدي، والصعوبة هنا موزعة على مستويين، مستوى الأعداء، والأهم مستوى إتقان التحكم والضغط على الزر الصحيح في الوقت المناسب، وكأن اللعبة تضيف إلى قائمة أعداءك عدواً خفياً هو: أنت نفسك وعدم إتقانك الجيد لتحكم اللعبة.

ولإدراك أهمية أسلوب لعب اللعبة وأنه سبب جماليتها ومتعتها يمكنك تجريب نمط التحكم البديل للعبة من خلال الفأرة، والمقارنة بين مستوى المتعة في الأسلوبين، فلعبة دكتور هو Doctor Who تمكنك أيضاً من التحكم بالبطل وتحريكه من خلال الفأرة، وذلك بوضع المؤشر على الناحية التي تريد للبطل الذهاب إليها، ثم الضغط على زر الفأرة ليتحرك البطل من تلقاء نفسه. أسلوب التحكم هذا يقلل هامش الخطأ الذي يمكن أن يرتكبه اللاعب أثناء تحريك بطله، ويحول اللعبة إلى لعبة سهلة جداً من الصعب الموت والخسارة فيها، لتصبح فعلاً اللعبة لعبة دعائية بسيطة مملة جداً.

لعبة QWOP تصنع متعتها من لا شيء باستخدام أسلوب التحكم فقط

لعبة دكتور هو Doctor Who أعادت إلى ذهني لعبة أخرى ترتكز متعتها على أسلوب التحكم ولاشيء غيره، وهي لعبة QWOP، حتى اسم اللعبة يتحدث عن التحكم، فاسمها ليس إلا جمع للأزرار الأربع التي يتحكم بها اللاعب ببطل اللعبة، Q / W / O / P. تقدم لعبة QWOP شخصية عداء يقف عند خط بداية المضمار وعلى اللاعب التحكم به وتحريكه على هذا المضمار إلى أبعد مسافة ممكنة دون أن يتعثر ويسقط على الأرض، فسقوطه يساوي الخسارة.

120720_keyboardgeniuses_featured

قد تبدو الفكرة بسيطة، وليست غريبة، ولو سألت أي شخص لم يجرب اللعبة عن التحكم الذي يتوقعه لها لقال: الأسهم للحركة للأمام والخلف، وربما الزر المسافة Space للقفز. هذا هو التفكير البديهي والذي لا أبالغ لو قلت أنه لو كان فعلاً هو تحكم لعبة QWOP لكانت أكثر لعبة إثارة للضجر على وجه الكرة الأرضية، ولكن اللعبة قدمت نظام تحكم غريب جداً، فاللعبة تقدم لنا أربعة أزرار لتحريك البطل، وهذا شيء معتاد، ولكن الغير معتاد أن هذه الأربعة أزرار ليست لتحرك البطل في الجهات الأربع، بل أن كل زر لتحرك جزء من رجل البطل، على النحو التالي: الزر Q لتحريك فخذه الأيمن الزر W لتحريك فخذه الأيسر الزر O لتحريك ساقه اليسرى الزر P لتحريك ساقه اليمنى هل لك أن تتخيل تحكماً بهذا الشكل؟ أسلوب التحكم هذا جعل اللعبة تتحول بشكل كلي من لعبة ركض بسيطة إلى لعبة أخرى الركض فيها وتحطيم الأرقام القياسية آخر اهتماماتها، وهذا ما جعل مصممها بينيت فودي Bennett Foddy يكتب في واجهة اللعبة "تذكر: هذه اللعبة ليست عن الفوز أو الخسارة"، فاللعبة عن المتعة والضحك، ومن أجمل الأشياء هو رؤية الأصحاب أو الإخوة وهم ملتفون حول الشاشة ينظرون إلى أحدهم يحرك بطل اللعبة بشكل غريب ومضحك جداً، الفخد الأيمن في ناحية والأيسر في ناحية أخرى وهكذا الأمر مع الساقين أيضاً، ويتشاركون الضحك الصافي على ما يحدث أمامهم على الشاشة. (ملاحظة: للعبة إصدار آخر يمكن أن يلعبه لاعبان في نفس الوقت، ويتنافسان من يقطع أكبر مسافة ممكنة.)

 خلاصة التدوينة

ما أود قوله، أن أسلوب التحكم ليس مجرد أداة كمالية مساعدة لتجربة اللعبة ككل، بل يمكن أن يكون كل اللعبة مرتكزاً على أسلوب التحكم فقط لاغير، هذا ما تقوله ألعاب مثل لعبة دكتور هو Doctor Who ولعبة QWOP، فأسلوب التحكم فيها هو أهم عنصر في اللعبة ومصدر متعتها، وعلى مصممي الألعاب حقيقة أن تتجاوز نظرتهم إلى أسلوب التحكم الإجابة على سؤال مثل: كيف أجعل تحكم لعبتي سهلاً وعملياً؟ إلى الإجابة على سؤال مثل: كيف أجعل تحكم لعبتي مصدراً للمتعة؟alone-in-the-dark-2ولا يعني هذا تعقيد اللعبة، وجعل أسلوب تحكمها غريباً وغير مألوف لمجرد الغرابة، وخلق تجربة جديدة في أسلوب التحكم لمجرد الإتيان بشيء جديد، فأسلوب التحكم جزء من تجربة اللعبة ككل، ولذلك عند تصميمه يجب أن ينظر المصمم إلى أي ناحية يأخذ أسلوب التحكم الذي اختاره لعبته، إلى ناحية المتعة، أم إلى ناحية التعقيد، فلعبة دكتور هو Doctor Who رغم صعوبة تحكمها نسبياً إلا أنه يمكننا بشيء من التركيز إتقانه وتعلمه، وذلك على النقيض مثلاً من الجزء الخامس من لعبة وحيداً في الظلام Alone in the Dark الذي قدم في نسخة الإكس بوكس 360 Xbox أسلوب تحكم صعب جداً قتل اللعبة رغم كم الأفكار الهائلة والجهد المبذول في اللعبة ككل، وجعل تحريك البطل أشبه بقيادة شاحنة، لدرجة جعلت النقاد يعطون اللعبة تقييمات متدينة عند مراجعتها، وعندما عدل مصممو اللعبة أسلوب التحكم في نسخة البلاي ستيشن 3 Playstation التي صدرت في وقت لاحق، عاد ذات النقاد وعدلوا تقييماتهم للعبة، بل وجعلوا في مقدمة مميزات النسخة الجديدة: تحسين أسلوب التحكم.

المصادر الإضافية: [1][2]

إذا أعجبتك هذه التدوينة، نأمل منك عزيزي القاريء أن تسجل بريدك الإلكتروني بالأسفل حتى نُرسل لك مثل هذه التدوينات فور نشرها:

لا تقلق، نحن أيضاً لا نحب السبام 🙂

مهتم بتدوينات:

كما نأمل بأن تدعمنا بمشاركة هذه التدوينة على الشبكة الاجتماعية المفضلة لديك:

إيهاب قريبة

طبيب بشري،وعاشق لألعاب الفيديو والأدب والسينيما، أؤمن بأن الألعاب بمقدورها أن تكون وعاء لطرح القصص بشكل لا يقل كفاءة عن الأفلام والأدب، بل وأؤمن بأنها تملك خصائص تجعل الألعاب المتفوقة في هذا المجال، ولكنها تحتاج إلى المصمم المؤمن بقدرتها على ذلك. شخصيتي حسب مؤشر MBTI النفسي هي INTJ.

اخر المقالات
التعليق ( 1 )
  1. أسلوب التحكم كمصدر متعة في الألعاب | in3ash
    نوفمبر 4, 2014 at 4:11 م
    رد

    […] نشرت هذه المقالة على موقع زاش (اضغط هنا) قبل عدة […]

‎اضف رد