نظرة على أنظمة التصنيع (Crafting) في ألعاب الفيديو

واجهة التصنيع في ماينكرافت

واجهة التصنيع في ماينكرافت

افترض أنك تستطيع صنع هاتف ذكي بنفسك، وأعني هنا أنك تستطيع صنع هاتف يحاكي آيفون من ناحية الشكل والنحافة لكن لكي تفعل ذلك عليك أن تنفق ست أشهر ومبلغ يكفي لشراء هاتفي آيفون أو ثلاثة، أن تصنع بنفسك سيكلفك أكثر وسيأخذ وقتاً طويلاً، شراء آيفون يعني توفير الوقت والحصول عليه فوراً، أيهما ستختار؟

لا شك لدي أن معظم الناس سيختارون الشراء لأنه يوفر الوقت والمال، لكن هناك أناس لديهم شيء آخر أكثر أهمية وسيدفعهم لصنع الهاتف بأنفسهم، الفخر بأنهم صنعوا الهاتف بأنفسهم أهم لديهم من توفير المال أو الوقت، لأن ذلك يعني قدرتهم على صنع الأشياء والاعتماد على أنفسهم وعدم حاجتهم للاعتماد على الآخرين، هذا الفخر هو أحد أسباب حركة المصنعين أو أصنعها بنفسك (DIY)، كثير مما يصنعه الناس أقل جودة وأقل جمالاً مما تصنعه الشركات لكن هذا غير مهم، الشخص المهتم بالتصنيع يهمه أكثر أن يبني ثقته بنفسه ويعتمد على نفسه، وفي وقت الحاجة وعندما تتعطل الأشياء أو تتوقف الشركات، الشخص الذي يعتمد على نفسه يمكنه الاستمرار بينما الذي يعتمد على شركة ليس لديه خيار سوى أن يبحث عن شركة أخرى ليعتمد عليها.

التصنيع في ألعاب الفيديو لا يذهب بعيداً عن هذا الواقع، كثير من الألعاب تضع نظاماً للتصنيع يعطي اللاعب فرصة لصنع أشياء تفيده في اللعبة، بعض الألعاب هدفها التصنيع نفسه مثل ماينكرافت، وبعض الألعاب تضع التصنيع كنشاط جانبي يعزز محتوى اللعبة ويوفر أسلوباً آخر للاستمتاع باللعبة، وهناك ألعاب التصنيع فيها مجرد نشاط هامشي لن يضرك إن تجاهلته.

ما يجعل التصنيع مشوقاً في الألعاب هو إمكانية أن يعطي اللاعب خيارات لتمييز شخصيته في اللعبة عن الآخرين، مثلاً قد يحتاج اللاعب خصائص (attributes) محددة وما توفره اللعبة من أدوات لا تعطيه هذه الخصائص، لذلك عليه تصنيع معداته من أسلحة ودروع وتحسينات أو تعزيزات تضاف لهذه الدروع والأسلحة، وأحياناً تجد اللاعب بحاجة لخصائص محددة لمواقف محددة، وعليه أن يصنع عدة كاملة لمثل هذه المواقف لأن اللعبة لا توفر مثل هذه العدة لشخصيته.

أكثر من ذلك اللعبة يمكنها أن توفر عالماً يمكن تخصيصه وتغييره بحسب ذوق اللاعب، هذا يجعل كل لاعب يشعر بأن هذا العالم هو عالمه الخاص ولا أحد يشاركه مثل هذا العالم، خذ مثلاً ماينكرافت، بإمكانك أن تصنع بيتاً صغيراً أو تصنع قرية أو قصراً أو حتى مدينة، بل رأيت من يبني مدناً وقرى في يوتيوب ويتابعه أكثر من مليون إنسان حول العالم، اللعبة توفر العديد من الأشياء الممكن صنعها ولست بحاجة لصنع كل شيء بل تصنع ما تريد كما تريد، لذلك عالمك في ماينكرافت سيكون مميزاً عن أي عالم آخر لأنك أنت من صنعته، ولهذا السبب ماينكرافت واحدة من أشهر الألعاب في يوتيوب، لأن هناك رغبة في مشاركة الآخرين، أشخاص يصنعون عجائب في اللعبة ولا يكفيهم أنهم يفعلون ذلك، المشاركة جزء مهم من اللعبة الآن، إن لم يشارك بمقطع فيديو فبصورة أو صور.

نقطة أخرى مهمة، كثير من الناس لا يصنعون أي شيء في الواقع، وألعاب الفيديو تعطيهم فرصة لصنع أشياء لا يمكنهم صنعها بأنفسهم، لا يمكن لأحدنا صنع السيارات والطائرات وإنشاء المدن والتحكم بها ورفع مستوى رفاهيتها، لا يمكننا أن نعمل في المزارع أو أن نحلق بطائرات لا يمكن لأحدنا حتى أن يحلم بامتلاك واحدة، لا يمكننا أن نعيش في زمن مختلف وفي عالم مختلف حيث التقنية ما زالت في القرون الوسطى مع شيء من السحر الذي يألفه الجميع في ذلك العالم، لذلك التصنيع يعطي الناس فرصة للعيش في عالم مختلف، عالم مستحيل يجعلهم يهربون من الواقع ولو مؤقتاً ولا بأس بذلك، أن تنعزل عن الواقع مؤقتاً هو أمر مطلوب ويمارسه الناس كلهم بأشكال مختلفة وألعاب الفيديو إضافة جديدة … نسبياً!

التصنيع في ألعاب الفيديو له مستويات عديدة، من البسيط الفقير إلى المعقد والغني، ولست أقول هنا أن النظام البسيط سيء والنظام المعقد جيد أو العكس، لأن كل لعبة لها نظامها الذي قد لا يعمل في لعبة أخرى، عندما يُصمم التصنيع ليناسب بيئة لعبة الفيديو فعلينا ألا ننظر لمدى بساطته أو تعقيده بل هل يلائم اللعبة ويعززها ويزيدها غناً؟ هل يعطي اللاعب إمكانية تمييز شخصيته وعالم اللعبة؟ هذا هو المهم، والقاعدة لدي هي: كل نظام تصنيع يحتاج لتحسينات ويمكن تحسينه، مهما كان بسيطاً أو معقداً، لنلقي نظرة على بعض هذه الأنظمة.

التصنيع  عبارة عن متجر آخر، في هذا النظام اللاعب يجمع مواد التصنيع ليحولها إلى منتجات أو أدوات مفيدة، النظام في غاية البساطة من ناحية أن قواعده لا تختلف كثيراً عن شراء الأشياء بالمال، لكن المال في هذه الحالة عبارة عن مواد تصنيع، مثلاً عليك جمع قطع من القماش بعدد معين لكي تستطيع صنع قميص، هذا لا يختلف عن شراء نفس القميص بمبلغ ما من الذهب، الاختلاف فقط هو نوع العملة.

بساطة النظام يجعله سهل الفهم، إجمع هذه المواد لتحصل على هذه الأشياء، ويستطيع اللاعب أن يجمع مزيداً من المواد بحسب الحاجة وهذا يعني قضاء وقت أكبر في اللعبة، شيء تحتاجه ألعاب الشبكة أكثر من الألعاب الفردية، لأن ألعاب الشبكة تعتمد على بقاء اللاعب في اللعبة لأطول وقت ممكن.

ومن ناحية التطوير والتصميم، هذا النظام بسيط ويمكن إضافته بسهولة إلى اللعبة، لكن بساطته أيضاً هي سلبيته، لأنه نظام سطحي وهذا قد يجعله نظاماً غير مهم، ومن ناحية أخرى يمكن أن يقع المطور في فخ تحويل النظام إلى شيء ممل ومتعب ولا يبرر إنفاق الوقت في تصنيع الأشياء في حين يمكن الحصول عليها من مصادر أخرى أكثر سهولة.

وقد يأتي هذا النظام بأسلوبين للحصول على وصفات التصنيع، الأول هي أن يعرف اللاعب مباشرة هذه الوصفات ولا حاجة لتعلمها، الثاني هي أن يجد اللاعب الوصفات في عالم اللعبة لأنه جاهل بصنع الأشياء وعليه تعلم ذلك قبل صنع أي شيء.

البحث عن الوصفات في العالم يجعل النظام غنياً أكثر لأنه يجعل اللاعب يستكشف العالم وينجز أشياء مختلفة للحصول على الوصفات، لكن في المقابل إن كان الحصول على الوصفات وصنع الأشياء ليس له عائد مجد فلم يتعب اللاعب نفسه في فعل ذلك؟

WoWScrnShot_021217_165048

واجهة التصنيع في واركرافت، على اليسار نافذة المهن المختلفة، على اليمين نافذة تصنيع

التصنيع بالتخمين نظام آخر، هنا جمع المواد لا يكفي، عليك وضعها في ترتيب محدد لكي تحصل على شيء، وهذا النظام يستخدم في ماينكرافت، بالطبع أكثر لاعبي هذه اللعبة يعتمدون على مصادر خارجية تعلمهم كيف تُصنع الأشياء ولا بأس بذلك، ألعاب أخرى لا تملك مثل هذه المصادر وبالتالي على اللاعب تجربة النظام وتجربة وضع مقادير مختلفة من المواد ومحاولة تخمين ما يمكن صنعه.

بعض الألعاب تجعل عملية التخمين لها ثمن، إن فشل اللاعب في التخمين فقد تضيع المواد التي جمعها، إن نجح اللاعب سيحصل على منتج ما وربما وصفة يتعلمها، بعض الألعاب لا توفر الوصفة وبالتالي على اللاعب أن يحفظها بنفسه بأي طريقة، بعض الألعاب توفر كتباً يمكن أن يكتب فيها اللاعب الوصفات وهذا أمر رائع في رأيي، ألعاب أخرى تجعل اللاعب يتعلم الوصفة إن خمنها مرة وبالتالي لا داعي لحفظها بأي وسيلة أخرى لأنها متوفرة دائماً.

ميزة هذا النظام أنه يعطي مزيداً من العمق لنظام التصنيع ولا يجعله مجرد عملية شراء بسيطة، عليك أن تعمل لكي تصنع، النظام يعطي اللاعب شعور الاستكشاف والمغامرة لأن هذا ما يجب على اللاعب فعله، ومن ناحية أخرى قد يثبط هذا النظام اللاعبين إن كان استكشاف الوصفات صعباً أو غير منطقي، اللاعب يتوقع من اللعبة أن تحاكي الواقع قليلاً لذلك من غير المنطقي أن تطلب اللعبة مواد لا تدخل في تصنيع أشياء في الواقع، كذلك إن كان هناك عدد كبير من الوصفات وليس هناك طريقة لحفظها فقد يثبط هذا اللاعبين، لكن لعبة مثل ماينكرافت تثبت العكس كذلك!

التصنيع يحتاج لتفكير وخطة، هذا نظام يشبه كثيراً نظام التخمين لكن بدون أي تخمين! النظام يجعلك تضع المواد لترى النتيجة قبل أن تصنع الشيء، لكن مقابل ذلك يعطيك فرصة لوضع مواد مختلفة مع بعضها البعض لترى النتائج، مثلاً تصور أنك تريد صنع سيف، استخدام معادن محددة يجعل السيف أكثر صلابة وتحملاً للضربات وبالتالي أقل قابلية للكسر في حين أنه قد لا يكون قوياً، لكن استخدام معدن آخر يعني صلابة أقل وقابلية كسر أعلى لكن قوة أكبر، وبعض الألعاب تضيف مواد تعطي الأشياء خصائص مختلفة فمثلاً السيف مع شيء من مواد سحرية يمكن أن يصبح سيفاً نارياً أو مع مادة سامة يصبح سيفاً ساماً .. إلخ.

هذا النظام أعمق وأكثر قابلية لصنع شيء يحتاجه اللاعب ويعطي اللاعب فرصة صنع أشياء مميزة قد لا يصنعها أحد غيره، على الأقل تعطيه حس التميز عن الآخرين، وإن كان النظام منوعاً حقاً يمكنه أن يقدم نتائج يصل عددها إلى الآلاف أو حتى عشرات الآلاف وهذا يعني تميز أكبر وقابلية أن يشعر اللاعب بأنه هو من أنجز صنع الأشياء ويفخر بذلك.

بالطبع مع زيادة عمق النظام يزداد التعقيد وهذه ميزة ومشكلة، لكن بحسب الجمهور الذي تتوجه له اللعبة، وأنا أميل نحو أن تكون الأشياء عميقة مع بداية بسيطة تجعل اللاعب يتعلم النظام بالتدريج، صعوبة بعض الأنظمة تعطي اللاعبين شعور التفوق والإنجاز، في حين أن الأنظمة البسيطة هي أنظمة عملية لا يهتم بها اللاعب إلا عند حاجته لها.

نظام التصنيع الاستراتيجي يمكن أن يزداد تعقيداً بأن يجعل من الممكن صنع أي شيء من مئات أو آلاف المواد التي يمكن استخدامها بطرق لا تحصى للحصول على نتائج مختلفة، ويمكن أن يصبح هذا النظام هو الأسلوب الوحيد للحصول على أي شيء في اللعبة إذ أن اللعبة مصممة لكي لا تعطي اللاعب سوى مواد خام وعليه استغلالها لصنع أشياء لكي يتقدم في مراحل اللعبة.

هنا التصنيع جزء أساسي من اللعبة وليس مجرد نشاط جانبي، وهذا يعني أن التصنيع يجب أن يصمم بكفاءة لكي يقدم عوائد تستحق الوقت الذي يقضيه اللاعب في اللعبة.

هذه نظرة سريعة على أنظمة التصنيع، يمكن الحديث عن هذه الأنظمة بعمق أكبر وأمثلة لكل نظام، لكن أرى أن تجرب ألعاب الفيديو التي تحوي أنظمة التصنيع لتجربتها، وهي أكثر من أن نحصيها في هذا المقال، إن كنت سأنصح بألعاب فماينكرافت يجب أن تكون ضمن القائمة، كذلك لعبة Fallout 4 وهي لعبة أعترف أنني لم ألعبها بعد لكن معجب بنظام التصنيع فيها.

إذا أحببت هذا المحتوى وتريد أن ننبهك عند وجود مثل هذا المحتوى، ضع بريدك الإلكتروني وأشر على صناعة الألعاب:

لا تقلق، نحن أيضاً لا نحب السبام 🙂

مهتم بتدوينات:

Save

Save

عبدالله المهيري

كاتب ومدون من الإمارات، مهتم بالتقنية والتعليم والبيئة.

اخر المقالات
‎اضف رد