لعبة Play to Cure و علاقة الألعاب بالطب والبحث العلمي

لعبة Play to Cure و علاقة الألعاب بالطب والبحث العلمي

في فبراير 2014 صدرت على الهواتف المحمولة لعبة من تمويل ونشر مركز أبحاث السرطان البريطاني (Cancer Research UK) بعد ضجة طويلة بدأت منذ أوائل العام 2013 عندما أعلن المركز عن فكرة جنونية وهي رغبته في جعل عامة الناس يشاركون العلماء أبحاثهم على سرطان الثدي واكتشاف الجينات الواقفة خلفه في مشروع بحث علمي جماهيري (Citizen science) ، وكانت فكرة المركز الغريبة تتلخص في توفير عينات الجينات التي جمعوها من المرضى للعامة على شكل لعبة ممتعة يقضون معها وقتاً ترفيهياً، وفي نفس الوقت يتم إرسال بيانات لعبهم وتجاربهم في اللعبة إلى مركز الأبحاث ليوفروا بذلك وقتاً طويلاً على العلماء كانوا سيحتاجونه لقراءة كل تلك الجينات لوحدهم !

لعبة Play to Cure: Genes In Space

بدأت الحكاية عندما أعلن مركز الأبحاث البريطاني في أوائل عام 2013 فكرته الغريبة تلك، وعقد من أجلها مسابقة تصميم لعبة (Game Jam) تقدم لها العديد من فرق تصميم الألعاب المستقلة، وكان المطلوب منهم تقديم فكرة تحول عملية دراسة عينات الجينات والحمض النووي DNA المرتبة على شكل مصفوفات دقيقة DNA microarray كما في الرسم البياني أسفله إلى لعبة ممتعة.

microarray

كانت مشكلة العلماء مع الرسم البياني أعلاه هو ضخامة حجم العينات لديهم والتي تصل لآلاف الكيلوميترات، وأنهم بحاجة إلى وقت طويل لدراستها وتحديد أماكن العيوب وهي الأماكن المحدودة بخطوط رأسية تحصر بينها مناطق انحراف نحو الأعلى في الرسم البياني، والتي نحتاج دراستها لفهم الخلفية الجينية لسرطان الثدي وامكانية علاجه، والمشكلة الأخرى أن هذه العينات يمكن دراستها بالكومبيوتر، ولكن النتائج ستكون غير دقيقة 100%، ومن هنا جاءت حاجة العلماء لقراءتها بشكل يدوي في عملية سهلة نسبياً ولا تحتاج لناس مختصين حيث يمكن لأي شخص أن يقوم بها،  ولذلك جاءت فكرة توفير هذه العينات للعامة من الناس ليشاركوا في دراستها، ويوفروا الوقت والجهد على العلماء وطاقم مركز أبحاث السرطان البريطاني، وهذا ما دفع المركز إلى عمل Game Jam لدراسة إمكانية تحول عملية التحليل العينات إلى لعبة ممتعة مما يوصلها لأكبر شريحة ممكنة من الناس مستغلين شعبية الألعاب.

 

وفي النهاية، فازت فكرة فريق Guerilla Tea القائمة على تحويل مصفوفات الحمض النووي الدقيقة إلى مسارات فضائية يحلق فيها اللاعب بمركبته بموافقة المركز، وأبصرت لعبة Play to Cure: Genes In Space النور، وقامت فكرة اللعبة الفائزة على أخد شريط قصير نسبياً من رسوم مصفوفات الحمض النووي وتقديمها للاعب على أساس أنها أماكن توزيع العنصر ألفا Element Alpha في الفضاء الخارجي، وعلى اللاعب قراءة الشريط بشكل يدوي ودقيق لرسم مسار لمركبته في الفضاء بحيث يمر بالأماكن التي فيها أعلى كثافة للعنصر ألفا، وذلك بوضع عدة نقاط على الشريط تحدد نقاط انعطاف مسار مركبته والتي هي الأماكن التي يحدث فيها تغير كثافة العينة نحو الأعلى (كما في الصورة في الأسفل)، وبعد ذلك ستقوم اللعبة بصنع مسار محدد لمركبتك الفضائية على الرسم البياني الذي سيتغير شكله ليصبح على شكل مادة بنفسجية اللون شبيهة بالرماد كوني تسمى بالعنصر ألفا، لتسير في المسار الذي حددته بنفسك على الرسم البياني، وكلما كان رسمك يمر بالمناطق العالية الكثافة على الرسم ستحصل على الكثير من العنصر ألفا، وبالتالي الكثير من النقاط لتطوير مركبتك وتزويدها بالأسلحة اللازمة لتدمير العوائق التي ستعترض طريقك مثل الكويكبات السارحة في الفضاء.

route_mapping

وقد صدرت اللعبة في فبراير 2014، وحققت النجاح المطلوب كما توضح الصورة التالية التي تشرح ما حققته اللعبة خلال الشهر الأول من إطلاقها:

infographic v_12 (football) - small

قد لا تكون لعبة Genes in Space تلك اللعبة الفنية الرائعة بمعايير صناعة الألعاب، ولكن ما قامت به مع مركز أبحاث السرطان البريطاني شيء ملهم جداً، وينقل الألعاب إلى بعد جديد، ويجعلنا نعيد النظر في صناعة الألعاب، ونحاول ابتكار تطبيقات أخرى للألعاب خارج نطاق التطبيقات الترفيهية أو الفنية البحتة أو التطبيقات التعليمية.

ملاحظة: مشروع لعبة Genes in Space ليس أول مشروع بحث علمي جماهيري يقوم به مركز أبحاث السرطان البريطاني، بل سبقه بوقت قصير أواخر العام 2013 مشروع آخر يدعى Cell Slider، يوفر للعامة صور مجهرية لأنسجة سرطانية يمكن تحليلها، وحتى الآن تم تحليل أكثر من مليوني صورة مجهرية، لكن المشروع لم يستخدم الألعاب في الترويج لنفسه على العكس من مشروع لعبة Genes in Space.

الألعاب والطب

الحديث عن ما قامت به لعبة Genes in Space يأخذنا للحديث عن علاقة الألعاب بالطب والبحث العلمي، فالطب استخدم الألعاب بشكل واسع إلى حد ما منذ سنوات، سواء عن طريق استخدام الألعاب بشكل صريح، أو استخدام بعض عناصر الألعاب وميكانيكياتها فيما يعرف بتلعيب الطب (Gamification of Medicine) ، حتى أنه تم تأسيس منظمات طبية كاملة معنية بهذا الأمر، مثل: الألعاب من أجل الصحة (Games for Health) ، ومنظمة الألعاب من أجل الصحة الأوربية (Games for Health Europe Foundation) ، وأبحاث صحة الألعاب (Health Games Research) ، وصحيفة الألعاب من أجل الصحة (Games for Health Journal) والتي تصدر بشكل دوري كل شهرين، ويكتب فيها الكثير من الأطباء.

وتتلخص أهم استخدامات الطب للألعاب في عدة نقاط، منها:

    • استخدام ألعاب اللياقة (Exergaming) مثل لعبة Wii Fit وDance Dance Revolution في تغيير نظام حياة الناس الخامل وتحويله إلى نظام شبه صحي بادخال شيء من النشاط البدني فيه، واستخدام ألعاب اللياقة في برامج الحمية، وإن كانت الأبحاث تقول أن تأثيرالألعاب في هذه الناحية ليس بذلك التأثير الكبير المغني عن نظام الحياة الطبيعي، ولكن يمكن لألعاب اللياقة أن تكون مفيدة جداً في برامج إعادة التأهيل للمرضى بعد حوادث السير أو جلطات ونزيف الدماغ، كما أنها مفيدة في دور رعاية المسنين للتقليل من تأثير الشيخوخة على أجسادهم.
    • وعلى ذكر دور رعاية المسنين فإن الألعاب مهمة أيضا لمقاومة أمراض العته ونقص قدرات الدماغ على أداء وظائفه العليا من التفكير والتذكر وغيرها كمرض ألزهايمر، بل إن الألعاب من أنجح الوسائل للتغلب على أمراض نفسية عقلية أخرى أو تقليل تأثيرها كالفصام والاكتئاب، ومن أجمل المقالات (باللغة الإنجليزية) في هذا المجال قصة حكاها Chad Concelmo محرر موقع Destructoid عن كيف أن لعبة Final Fantasy VI حمت حياته وأنقذته مما كان يعانيه من الاكتئاب.
    • استخدام الألعاب في برامج التعليم الطبي مثل لعبة Immune Attack التي عمل عليها اتحاد العلماء الأمريكيين (Federation of American Scientists) لتبسيط شرح آلية عمل جهاز المناعة المعقدة لطلاب المدارس.

 

  • استخدام الألعاب في برامج تدريب الأطباء وخاصة الجراحين كما في محاكيات العمليات الجراحية المختلفة مثل Touch Surgery، ناهيك أن الدراسات لاحظت أن الجراحين الذين تربوا على ألعاب الفيديو ويمارسونها بانتظام كهواية أكثر دقة وأسرع وأقل أخطاء من زملائهم الجراحين الذين لم ولا يمارسون ألعاب الفيديو، كما أنهم أكثر ألفة مع أساليب الجراحية الحديثة كالجراحة الروبوتية (Robotic Surgery).
  • استخدام الألعاب في تغيير عادات الناس الصحية الخاطئة كما أشرنا في ألعاب اللياقة أعلاه، أو من خلال ألعاب توعوية بسيطة موجهة للأطفال في الغالب مثل ألعاب موقع Playnormous.
  • استخدام الألعاب في البحث العلمي كما تحدثنا في هذا المقال.
  • وجود ألعاب تنهل من البيئة الطبية لتقديم منتجات ترفيهية بحتة، مثل بعض محاكيات الجراحة أمثال Trauma Center وSurgeon Simulator 2013، وألعاب محاكاة إدارة المستشفيات مثل لعبة Theme Hospital التي عمل عليها إستوديو المصمم العبقري Peter Molyneux السابق Bullfrog Productions، وألعاب أخرى مثل سلسة Plague Inc. الاستراتيجية والتي تتحدث عن عالم يطور سلالة جديدة من بكتيريا الطاعون ليدمر بها العالم، ولعبة Ben’s Game التي تحكي قصة صراع الطفل Ben Duskin مع سرطان الدم اللوكيميا.

ss_fd1f6447b72589bad832d6a3840deb5dad92b3f8.600x338

الألعاب كتطبيق طبي؟

خلاصة القول أن الألعاب بجانب أنها منتج ترفيهي وفني يمكننا من خلاله التعبير عن أنفسنا وطرح القصص، هي منتجات تقنية لها تطبيقات أخرى في شؤون حياتنا المختلفة كالطب والبحث العلمي، وأن الألعاب عالم قائم بذاته ويحتاج الاستكشاف والدراسة لمعرفة حدوده ومعرفة تطبيقاته في شؤون حياتنا المختلفة، وهذا سيأخذنا للحديث عن مفهوم التلعيب (Gamification) ، والذي يعني استخدام بعض عناصر الألعاب وميكانيكياتها في شؤون الحياة المختلفة، بمعنى آخر جعل الحياة الحقيقية تحاكي الألعاب، وهذا مجال بحث ودراسة كثر فيه الكلام وهو مما سنتحدث عنه في مقال آخر مستقبلاً بإذن الله.

لتحميل لعبة Play to Cure: Genes in Space: على أجهزة الـiOS والـAndroid.

مصادر وقراءات إضافية: [1]، [2]، [3]، [4]، [5]، [6]، [7]، [8]، [9]

 

أعجبك المحتوى؟

نأمل منك أن تسجل بريدك الإلكتروني في قائمتنا البريدية في المجالات التي تهمك حتى يصلك جديدنا أولاً بأول:

لا تقلق، نحن أيضاً لا نحب السبام 🙂

مهتم بتدوينات:

لنقاش الموضوع وتبادل الأفكار، نأمل منك ترك تعليقك في مربع التعليقات بالأسفل.

كما نتمنى بأن تدعمنا بنشر هذه التدوينة على الشبكات الاجتماعية المفضلة لديك:

إيهاب قريبة

طبيب بشري،وعاشق لألعاب الفيديو والأدب والسينيما، أؤمن بأن الألعاب بمقدورها أن تكون وعاء لطرح القصص بشكل لا يقل كفاءة عن الأفلام والأدب، بل وأؤمن بأنها تملك خصائص تجعل الألعاب المتفوقة في هذا المجال، ولكنها تحتاج إلى المصمم المؤمن بقدرتها على ذلك. شخصيتي حسب مؤشر MBTI النفسي هي INTJ.

اخر المقالات
التعليقات ( 2 )
  1. علاء
    مارس 31, 2014 at 12:08 ص
    رد

    شكرا على المقال والمعلومات 🙂

  2. ali hassan
    أبريل 12, 2014 at 3:50 م
    رد

    جزاكم الله خيرا على المقال الرائع 🙂 .

‎اضف رد