[مراجعة تحليلية] تجربتي للعبة الركاز: في أثر ابن بطوطة

[مراجعة تحليلية] تجربتي للعبة الركاز: في أثر ابن بطوطة

لعبت لعبة الركاز: في أثر ابن بطوطة متأخراً، لم أقتنع باللعبة وخاصة بعد المراجعات العربية السيئة التي قرأتها حول اللعبة، لكن من الجيد أنني جربتها بعد ذلك؛ لأنه من تجربتي الشخصية علمت هذه المواقع ركزت على الأخطاء ولم تركز على ما حاولت لعبة الركاز أن توصله، فهم كمن يصف لعبة رعب بأنها سيئة لأن فيها مناظر مزعجة أو مقززة. لكن لعبة الركاز في الحقيقة لعبة ممتازة في الأمر الذي تسعى لإيصاله، وهو ما سأبحثه في المقال.

عندما أقوم بلعب ألعاب مسابقات الألعاب وبالتحديد Ludum Dare والتي تم تصميمها خلال يومين فقط، والتي هي بلا شك مدة غير كافية لعمل لعبة (أياً كانت) حتى لو شعرت بأن اللعبة كاملة كلعبة Heart Star لكن اللعبة ستفتقر لشيء أو لآخر، قد لا يكون تقنياً ولكن قد يكون في التصميم نفسه، أو في قلة المراحل أو السهولة الشديدة… إلخ. لكن ما يجعلنا نلعب ونستمتع بهذه الألعاب كمطورين هو الأفكار الإبداعية الموجودة فيها، قد تبدأ بلعب اللعبة ما وأنت غير مقتنع بها ولكنها تفاجئك تماماً وتذهلك بشيء غريب أو مميز يحدث في هذه اللعبة، كلعبة This Little Piggy(شاهد الفيديو) والتي يتعمد المطور هنا أن يشعرك بأنها سخيفة ليفاجئك بفكرة غريبة.

هذا بالضبط كان انطباعي عن لعبة الركاز، لعبة ينقصها الكثير، لكن استمتعت بها كثيراً. بدأت اللعب وأنا أتساءل؛ إن كان هناك شركة كاملة تعمل على الحلقة الثانية من اللعبة فهذا بلا شك يعني نجاح الحلقة الأولى من اللعبة. مع أن اللعبة -كما أخبرني مخرج اللعبة في أحد اللقاءات- أنهم لم ينفقوا على التسويق- ولذلك كنت متشوقاً لمعرفة ما هو الشيء المميز في هذه اللعبة.

Unearthed-Screenshot1.1

في الدقائق الأولى من اللعبة كان التدريب (Tutorial) يعتمد على الكتابة، ولم يكن التصويب والإطلاق فيها ممتعاً بالمرة، لذلك شعرت أنه عمل مبتدئين لا يعلمون أساسيات بسيطة في تصميم الألعاب. لكن عندما دخلت إلى المنطقة الأثرية الأولى في اللعبة، أدركت فوراً أين تكمن قوة الفريق وهو ما سأذكره لاحقاً. لا ننكر طبعاً خلو اللعبة من نقاط ضعف كبيرة، بل وأساسية في أية لعبة (وربما لهذا اللعبة حصلت على تقييمات ضعيفة في كثير مواقع الألعاب العربية)، ولا أدري حقاً مالأسباب التي دفعت الفريق لتجاهلها، هل لنقص في الموارد والوقت، أم أنهم بالفعل لا يعلمون تلك الأساسيات.

بدايةً؛ طريقة اللعب (game play) في اللعبة ليس سيئاً فقط بل قد أصفه بأنه لا يوجد هناك لعب أساساً، ما تقوم به طوال اللعبة هو مجرد أعمال سهلة أو مملة ليس في تنفيذها أي مهارات، فأنت تلعب فقط لكي تصل إلى الجزء القادم والذي يحتوي على حوارات أو على قصة، إطلاق النار في اللعبة جداً سهل، الألغاز لا تستحق أن تذكر، مطاردة الشرطة كانت مجرد انتظار وتحرك عشوائي في المدينة. وعندما تخسر فإن ذلك غالباً ليس بسببك وإنما بسبب اللعبة (مثل أن تسقط في حفرة لأنك لا تراها، أو أن صخرة تسقط عليك بشكل عشوائي) وما عدا هذه المرات البسيطة نفذت كل المهمات بسرعة ومن أول مرة. ثانياً وهو الأهم؛ لا يوجد أي نوع من التغذية الاسترجاعية (feedback)، وبالتحديد في كل مهمات إطلاق النار، أنت لا تشعر إن كنت تصيب أم لا، وبالكاد تعرف من أين يأتي الرصاص، وهذا في نظري أمر أساسي جداً في ألعاب التصويب، وتنفيذه سهل للغاية.

110625_unearthed_2

ستتساءل الآن ربما، إذاً أين المتعة في هذه اللعبة، ولك الحق في ذلك. أقرب مثال أضربه هو لعبة Two Brothers. في هذه اللعبة كذلك تقوم بالاستمرار في اللعب فقط لتحصل على الجزء القادم من القصة، ومع ذلك فهي لعبة ينصح بها فريق Extra Credits كون قصتها مميزة حقاً ومستواها الفني جميل، ومع أنهم يذكرون في هذا الفيديو كل عيوب اللعب فيها إلا أنهم ينصحون بها في المحصلة. الركاز لعبة تعتمد أساساً على الأجواء الجميلة، عندما دخلت إلى الكهف ورأيت الآثار في غاية الجمال، هنا بدأ مزاجي حول اللعبة يتغير بعد العشر دقائق التدريبية الأولى المملة. استمتعت بالمنظر عندما خرجت من الكهف ورأيت المناظر الجبلية (لولا وجود أفراد عصابة مزعجين في ذلك الموقف).

والأجمل من هذا كله عندما تذهب إلى المغرب وتتمشى في السوق الشعبي، الحوارات في هذا الموقف جداً مسلية وظريفة، وكذلك عندما تصل للقهوة لتناول الشاي المغربي. هناك اهتمام كبير جداً بالتفاصيل، مثل صوت القطة التي تحاول الوصول للشاورما، وعبارة "ممنوع الكتابة على الحائط" والمكتوبة على الحائط (والتي تذكر بشوارعنا الشعبية)، أو وجود ولد مغربي صغير يجلس على سيارتهم أمام البيت، هذه التفاصيل الدقيقة تسمح للاعب بأن يعيش تلك الأجواء الشعبية، لتعطيك شعور بأنك في حارة مغربية فعلاً.

W7p85ZsnldQn2MEMlC5AyW2ZOftizvHhiH8UMby-FrYLA7c9veNQaW08ILt5SOt0wfI=h900

الشاورما الشهية في المغرب!

بالطبع؛ ليس فقط تصميم الأماكن هو الجيد، لكنه هو ما يجعل الاستمتاع بالأحداث والحوارات والنكات ممكناً. يمكن القول أن الإخراج الفني للعبة بشكل عام يعتبر ممتاز جداً، فالحوارت مبنية بشكل جيد، وتربطك بالشخصيات بشكل جيد، هناك كثير من الألعاب التي تعتمد على القصة أساساً، وربما ليس فيها شيء إلا القصة مثل لعبة The Novelist والتي تقدم خيارات جيدة وأحداث درامية محكمة، ولكنها لا تربطك بالشخصيات جيداً، ستشعر أنها مجرد روبوتات تجوب المنزل، مع أنك تحصل على معلومات كثيرة حول الشخصيات إلا أنك لا تستطيع أن تفهم مشاعرها ولن تشعر ربما أنك أحببت أو كرهت شخصية معينة في اللعبة.

الحوارات في لعبة الركاز على بساطتها استطاعت تقديم هذه الشخصيات بشكل ممتع، فمثلاً هناك العديد من الحوارات بين فارس وأخته الكبيرة دانية، تجعلك تدرك بعض ذكريات الطفولة لديهم، وأظن أنك لو سألت أي شخص لعب اللعبة عن "فارس" فلعله سيخبرك أنه شخص شجاع، مرح، يحب أخته الكبيرة، غير مبالي وقد لا يقدّر عواقب الأمور. هذا الأمر جداً مهم وخاصة أنه تم تقديمه من خلال حوارات قليلة جداً معظمها جانبية، وهذا أمر مذهل لم تستطع ألعاب كبيرة تقديمه. قد لا يبدو هذا مهماً لبعض القراء ولكن من لعب ألعاب مثل Assassins’ Creed و Dragon Age سيدرك أنه في الحقيقة جزء كبير من نجاح هذه الألعاب هو الشخصيات. ستتذكر بالتفصيل كل أحداث هذه الألعاب بسبب ارتباطك بشخصياتها، بينما ستنسى تفاصيل أحداث لعبة مثل Dishonored بسبب عدم قدرتك على التمييز بين معظم الشخصيات. فأنا أعرف أشياء أكثر عن "فارس" من بطل لعبة Dishonored والذي لا أذكر حتى اسمه في لعبة لعبتها لساعات أكثر بكثير من الركاز (لا أقول أن لعبة Dishonored سيئة ولكنها ضعيفة جداً من حيث القصة)

التعليقات الجانبية المضحكة، كالتي تقال عندما تمر بجانب مطعم الشاورما، ليست نكات عشوائية، وإنما هي موجودة لتضيف حياة إلى اللعبة، لتشعرك بأن الشخصيات من البشر، ولهذا لن تمل عندما تمشي مسافة طويلة في سوق شعبي، والسبب جمال السوق، والصحبة والحوارات اللطيفة أثناء الطريق. وهذا الأمر ليس مبالغة، بل كانت النزهة جداً ممتعة وهو الجزء الأفضل بالنسبة لي والوحيد الذي قمت بإعادته من اللعبة. ولم تكن هذه الحوارات الجيدة ممكنة لولا الأداء الصوتي الجيد في اللعبة. بالنسبة للأداء العربي لم يعجبني كثيراً ولكن لست متأكداً هل بسبب أنه سيء أم أنني غير متعود على اللغة العربية في الألعاب، ولكنني أعتقد أن أحد الأسباب إن لم يكن أهمها هو أن اللعبة كُتبت أساساً باللغة الإنجليزية ولذلك النكات الموجودة لها الطابع الأجنبي والذي نعرفه من أفلام هوليوود. شخصية فارس شخصية هوليوودية كلاسيكية من حيث أسلوب الكلام والمزاح، ولا أستبعد أن تكون حواراته مبنية على شخصية معينة من أحد الأفلام المشهورة.

بالإضافة إلى المستوى الفني الجيد، قدمت اللعبة شيئان من النادر وجودهما في ألعاب أخرى، وأظن أن هذا أثار اهتمام بعض اللاعبين، فمن ناحية أولى الطابع العربي للعبة، الحجاب، الأسماء العربية، والأماكن الشعبية، أمر أثار فضول بعض اللاعبين بلا شك. وقد أخبرني مخرج اللعبة أحمد جاد الله سابقاً أن اللعبة حققت مبيعات أكبر خارج الوطن العربي. وهذا الأمر كان متوقعاً بالنسبة لي. الأمر الآخر هو كون الشخصية الثانية في اللعبة هي أخت البطل الكبرى، وهو أمر لا نراه عادةً وخاصة في ألعاب أو حتى في أفلام المغامرات. وهذا أعطى نكهة جديدة خاصة بكل تأكيد.

Unearthed-Screenshot2.1

في النهاية؛ اللعبة قصيرة جداً وبسيطة، وهي تجربة عشتها في جلسة واحدة، فهي ليست أحد تلك الألعاب التي تصيبني بالإدمان، ولكنها تجربة استمتعت بها كثيراً، وسعيد بأنني قضيت ساعة ونصف فيها. وبساطة اللعبة تجعلها لعبة مناسبة جداً للموبايل والأجهزة النقالة، وباعتقادي أن أحد أهم أسباب استمرارية المشروع، هو إطلاقها على عدد كبير من المنصات. لا يمكن أن أعطي حكم مطلق حتى الآن على اللعبة وخاصة أنها لعبة تعتمد على القصة، والقصة فيها لم تكتمل بعد، وربما ستصبح أكثر إثارة في الحلقات القادمة من اللعبة، لكن كحلقة أولى الأحداث كانت جداً تقليدية، ومتوقعة، ويبقى هذا رأيي الشخصي، وبالنسبة لكونها لعبة مغامرات أعتقد أنه من الأفضل وجود الكثير من الغموض وهو الأمر الذي افتقدته اللعبة. لكن الأجواء الجمالية المطرزة بالتفاصيل تربطك بأجواء اللعبة، وللأسف فإن اللعبة تنتهي بسرعة وكأنك تتذوق حلوى لذيذة ولا تأكلها، ولن تتركك قبل أن تترك لديك ذكرى جميلة أو اثنتين.

ملاحظة: بعد أن أنهيت كتابة المقال وجدت كاتب من كليفورنيا يقول في مقاله حول اللعبة بعد أن يصفها "بالعاطلة" ويبين الأخطاء والمشاكل الكبيرة في اللعبة: "إنها لأحد أمتع الألعاب التي لعبتها خلال الفترة السابقة، ويجب تجريب اللعبة لتصديق ذلك" – في المقال لم يكتب عن الإخراج الفني الذي أعجبني، ولكن ما أعجبه هو الأشياء الجديدة والطابع الإسلامي في اللعبة، والذي يؤكد على فكرة كتبتها في أول مقال لي على زاش: العربية في الألعاب: اللغة أم الثقافة.


 أعجبك المحتوى؟

تفضل بتسجيل بريدك الإلكتروني حتى يصلك محتوانا القادم في المجالات التي تهمك:

لا تقلق، نحن أيضاً لا نحب السبام 🙂

مهتم بتدوينات:

كما نأمل بأن تدعمنا بنشر هذا المحتوى على الوسط المفضل لديك من الشبكات الاجتماعية.


 

عبدالرحمن خلوف

مصمم ألعاب مستقل, مبرمج مهتم بأكشن سكربت, مدوّن في مجال تطوير الألعاب, أحب تطوير الألعاب وأتابع مواضيعها بشغف .

اخر المقالات
‎اضف رد