نظام المحاولة والخطأ (Trial and Error) كأسلوب لعب:ما له وما عليه

لعبة الطيور الغاضبة Angry Birds

نظام المحاولة والخطأ Trial and Error كأسلوب لعبٍ (الطيور الغاضبة Angry Birds مثالاً)

نظام المحاولة والخطأ Trial and error هو نظامٌ يستخدم في حل المشكلات، وتقوم فكرته على أنه عندما تواجه الإنسان مشكلةٌ ما يقوم بوضع بعض الحلول الافتراضية المقترحة لحل المشكلة، ثم يجربها الواحد تلو الآخر حتى يصل إلى الحل المناسب لها، و يستخدم هذا الأسلوب على نطاقٍ واسعٍ في عدة مجالات منها الرياضيات والبرمجة والتسويق وحتى على مستوى الحياة الشخصية للأفراد، كما يستخدم بكثافة في مجال صناعة الألعاب، فالألعاب تستخدمه بكثرة وعلى عدة مستويات، ابتداءً من كتابة أكواد اللعبة البرمجية، انتهاءً بتسويقها، مروراً بتصميم مراحلها، ولكن هذا كله ليس من شأننا في هذه التدوينة، ما أود أن أتكلم عنه اليوم هو نظام المحاولة والخطأ كجزءٍ من أسلوب اللعب Gameplay، فالغالبية العظمى من الألعاب تقدم للاعبين فرصة التغلب على عقبات اللعبة ومشاكلها التي تلقيها أمامهم طوال مهماتها ومراحلها باستخدام أسلوب المحاولة والخطأ، ولنأخذ مثالاً على هذه الألعاب، لعبة الطيور الغاضبة Angry Birds التي تعتبر من أكثر الألعاب تجسيداً لنظام المحاولة والخطأ في بناء أسلوب لعبها.

لعبة الطيور الغاضبة Angry Birds تجعل من نظام المحاولة والخطأ نظاماً ضرورياً لمحاولة تجاوز كل مرحلةٍ من مراحلها، فهي تجبر اللاعب مع كل مرحلةٍ على التجريب عدة مراتٍ والخسارة حتى يصل إلى الطريقة المناسبة لفوزها، ولا تقدم له أي حلولٍ بديلةٍ لإنهاء المرحلة، كما أنها لا تقدم له أي خبرةٍ يمكنه تعلمها والاستفادة منها في المراحل التالية لتقليل حاجته لانتهاج أسلوب المحاولة والخطأ باستثناء التعرف على أنواع الطيور في اللعبة ومزايا كل نوعٍ، وبالتالي تساوي اللعبة تقريباً وإلى حدٍ كبيرٍ بين اللاعب القديم للعبة وبين المبتدئ الذي يجربها لأول مرةٍ.

وهذا ليس بشيءٍ سلبيٍ يحسب ضد اللعبة، بل بالعكس كان أحد عوامل الانتشار الجنوني للعبة الطيور الغاضبة Angry Birds، فاعتمادها الكلي على نظام المحاولة و الخطأ ألغى تقريبا أي خبرةٍ تراكميةٍ يحتاجها اللاعب من ممارسة اللعبة، فهي لا تحتاج إلى أدنى تفكير أو تدريب، و بالتالي أصبحت ملائمةً لشريحةٍ كبيرةٍ من اللاعبين الإستهلاكيي الطابع Non-Gamers الذين لا يبحثون عن أكثر مما يملأ أوقات فراغهم البسيطة، كالوقت بين المحاضرة والمحاضرة في الجامعة، أو بين طلب الوجبة في المطعم و قدومها، أو في الفواصل الإعلانية.

نظام الفرضية والبصيرة كأسلوب لعبٍ (الشطرنج مثالاً)

ولكن الأمر لا يصلح مع جميع الألعاب، فعلى النقيض للعبة الطيور الغاضبة Angry Birds المغرقة في نظام المحاولة والخطأ نجد ألعاباً لا تستخدمه بتاتاً ولو بنسبة 1%، وأشهرها على الإطلاق لعبة الشطرنج، ففيها لا مجال للتجريب والأخطاء، وكل خطوةٍ غير مدروسةٍ تساوي خسارة قطعة أو أكثر، وإضعاف صفوفك، وربما قد تكلفك خسارة المبارزة كلها، و لذلك على اللاعب أن يستخدم كل خليةٍ عصبيةٍ في دماغه للتفكير بروية، وقراءة مايحدث أمامه على رقعة الشطرنج، والإحاطة بالصورة الكاملة له، واستشراف حركات الخصم، وقبل ذلك كله أن يفهم قواعد اللعبة ويحفظها عن ظهر قلب، وهذا قد يسبب نفور الكثير من اللاعبين، ونفس الشيء نراه بدرجة أقل قليلا في ألعاب الإستراتيجية Strategy games.

800px-KnightsTemplarPlayingChess1283

فهذه الألعاب تستخدم أسلوباً آخراً لحل المشكلات يعتمد على الدراسة والبصيرة ووضع الفرضيات والنظريات، وتخيل تطبيقها دون الإقدام على تجربتها فعلياً، وهذا الأمر لا ينقص من قيمة الشطرنج ولا الألعاب الإستراتيجية شيئاً و لايزيده، فهي بدورها موجهة لفئة من اللاعبين غير فئة لاعبي Angry Birds، أو حتى نفس اللاعب لكن في حالات مختلفة، ففي الفواصل الإعلانية قد يحب لعب Angry Birds على هاتفه المحمول، و في نهاية الأسبوع في اجتماع العائلة قد يحب تحدي أحدهم في لعبة شطرنج.

تطبيقات عملية لنظام المحاولة والخطأ ونظام الفرضية والبصيرة

الفكرة هي أن على المصمم -أثناء تصميمه للعبته ومراحلها وعقباتها- أن يضع في حسبانه الفئة التي تستهدفها لعبته، وأن يتوقع تعاطيهم معها، فعلى سبيل المثال، من يصمم لعبةً لها أسلوب لعبٍ معقدٍ لابد أن يساعد لاعبيه في تقليل هامش لجوئهم لأسلوب المحاولة والخطأ، وذلك بشرح أسلوب اللعب سواءً بمهماتٍ تدريبية، أو حتى نظام تلميحات Hints، وغيره، حتى يمسك اللاعب بخيوط اللعبة كلها، ويقل إحساسه بالتيه، وبصعوبة اللعبة، ويقلل وقته الذي كان سيضيع دون سببٍ في فهم كيف تسير اللعبة، وكيف نتجاوز مراحلها وعقباتها.

وعلى النقيض لو كانت اللعبة بسيطةً، أو موجهةً للجمهور الإستهلاكي الذي يريد لعبةً بسيطة لا تحتاج إلى تفكيرٍ، فإن المهمات التدريبية قد تصبح عبئاً على اللعبة، ومن الأفضل أن نترك اللاعب يجرب ويخطئ، ويكتشف نظام اللعبة بنفسه، بل ربما قد نحتاج إلى نظام محاولةٍ وخطأ كذلك الموجود في لعبة Angry Birds، والذي يجبر اللاعب في كل مرحلة على تكرار المحاولة والخطأ حتى إنهائها.

ويمكن أن نبتعد أكثر من ذلك ونستغل عامل المحاولة والخطأ وعامل الفرضية والبصيرة في خلق عامل متعةٍ ولذةٍ للاعب، فمثلا عندما يتم مزاوجة الأسلوبين بطريقةٍ مدروسةٍ بحيث نجبر اللاعب على الدخول في دوامة التجربة والخطأ في جزئيةٍ معينةٍ من اللعبة رغما عنه للوصول إلى فهمه الخاص لنظام اللعبة، فإننا نجعل اللعبة أكثر شبهاً بالحياة الواقعية التي نحياها، والتي قد تظهر لنا في كثيرٍ من الأحيان عبثيةً ولا منطقيةً، ولا رابط محدد يجمع بين عناصرها فتضحي أمامنا كميدانٍ كبيرٍ للتجربة والخطأ التي ما أن نخوض غمارها حتى ينكشف لنا جزءٌ من نظام هذه الحياة الخفي، فنبدأ حينها ومن خلال تجاربنا نكون الخبرة والبصيرة الخاصة بنا، بل قد تصبح كثرة التجارب والأخطاء مرادفاً أحياناً لكثرة الخبرة والبصيرة والمهارة أيضا، وبالتالي تصبح اللعبة مصدراً لمتعةٍ جديدةٍ متعة التعلم والمعرفة والإحساس باكتساب الخبرة التي قد ينتشي اللاعب الفطين عند ادارك أنها خبراتٌ قد تنفعه في حياته الحقيقية بعيداً عن يد التحكم، تقريبا نستطيع القول أننا وقتها قد خلقنا متعةً جديدةً في اللعبة بعيداً عن متعة الفوز والخسارة، متعةٌ أشبه بمتعة قراءة كتابٍ ملهمٍ.

على أي حال قد يبدو الكلام في الفقرة الأخيرة معقداً، ولذلك لنا عودة إليه في تدوينة آخرى بمشيئة الله، ولكن الآن أود أن أختم تدوينتي بملاحظةٍ تسويقيةٍ، وهي أنني أعتقد أن نظام المحاولة والخطأ يجعل اللعبة محببة لشريحة كبيرة من المستهلكين، فهو يقلل هامش الحاجة إلى التعلم والتفكير وبذل المجهود في الإمساك بخيوط أسلوب اللعب، فيعطي اللعبة طابعاً استهلاكياً سريعاً يسهل في دخول أي شخص لتجربة اللعبة، ولكن على النقيض التعويل المبالغ فيه على نظام التجربة والخطأ قد يقتل متعة اللعبة، و يحول دون تكوين قاعدةٍ جماهيريةٍ لها على المدى البعيد، قاعدةٌ لها استعدادٌ لشراء الأجزاء القادمة من اللعبة أو ألعاب المصمم القادمة، لأنها تعول على جمهورٍ استهلاكيٍ لا ولاء له، كما أنه قد يقلل من قيمة اللعبة في تاريخ الألعاب، فتصبح اللعبة نسياً منسياً بعد صدورها كأي منتجٍ استهلاكيٍ بحت.

تزاوج نظام المحاولة والخطأ ونظام الفرضية والبصيرة (الجزء الثاني من ميتال جير سوليد Metal Gear Solid 2 مثالاً)

ومن أكثر أمثلة الألعاب عبقريةً في التعاطي مع نظام المحاولة والخطأ لعبة ميتال جير سوليد 2: أبناء الحرية Metal Gear Solid 2: Sons of Liberty، فاللعبة مصممةٌ بأسلوبٍ مصقولٍ بشكلٍ عبقريٍ يجعلها ذات وجهين، وجه المحاولة والخطأ، ووجه البصيرة والفرضية أو بعبارةٍ أخرى الاحترافية، فاللعبة يمكنك أن تنهيها بشكلٍ كاملٍ بالاعتماد على المحاولة عدة مرات والخطأ، فمع كل منطقةٍ جديدةٍ فيها بإمكان اللاعب القيام بمحاولاتٍ انتحاريةٍ عدة مراتٍ في اقتحامها لمعرفة خريطة المكان وتوزيعة كاميرات المراقبة والأعداء وتحركاتهم للوصول إلى الخبرة الكافية لتجاوزها، ويمكن تكرار الأمر هكذا مع كل منطقةٍ إلى نهاية اللعبة، ويمكنك أيضاً في نفس الوقت أن تنتهج أسلوباً آخراً لإنهاء اللعبة بأسلوبٍ احترافيٍ جداً، فيمكنك مع كل منطقةٍ جديدةٍ التعامل بأسلوب البصيرة والنظرية والتروي منذ البداية، فتلعب بحذر شديدٍ كأنك جاسوسٌ حقيقيٌ، وكأن هذه المحاولة محاولتك الوحيدة، وخسارتها تساوي إلقاء القبض عليك أو قتلك، مما قد يوفر للاعب متعة خالصة قد لا تتوفر لمن يلعبها بأسلوب المحاولة والخطأ، وقد تبلغ المتعة ذروتها عند تجاوز منطقة ما من أول محاولةٍ دون خسارةٍ.

metalgearsolidhdscreens

بل إن نظام اللعبة هذا جعلها من المرونة بما كان أن تلائم اللاعب الواحد في جميع حالاته، فأذكر أنني كنت في أغلب الأوقات ألعبها بطريقة اللعب الاحترافي الحذر، و لكن كنت أيضا عندما أكون مرهقاً أو مشغول البال بشؤون الحياة العامة ولا أستطيع التركيز جيداً أتحول لنمط اللعب المعتمد على المحاولة و الخطأ والذي لا يحتاج إلى مجهودٍ ذهنيٍ كبير، وبالتالي كانت اللعبة توفر لي الترفيه في جميع حالاتي المزاجية.

أسلوب التعاطي مع نظام المحاولة والخطأ الذي انتهجته لعبة ميتال جير سوليد 2: أبناء الحرية Metal Gear Solid 2: Sons of Liberty جعل المحاولة والخطأ عنصراً رئيسياً في اللعبة ولكنه ليس عنصراً اجبارياً لتجاوز المراحل كما هو الحال في لعبة الطيور الغاضبة Angry Birds، وهذا كان سبباً في نجاحها في تكوين جمهورٍ عريضٍ للعبة، جزءٌ كبيرٌ منه استهلاكي، وجزءٌ منه جمهورٌ حقيقيٌ من اللاعبين الاحترافيين Hardcore Gamers، بل هذا التجاور والتزاوج بين الأسلوبين كان سبباً في تحويل العديد من اللاعبين الاستهلاكيين إلى عشاقٍ للسلسة Fans، ومتابعين لجديدها، وساهم في توسيع قاعدة اللاعبين الاحترافيين حول العالم والذين يختلفون في توجهاتهم عن اللاعبين الاستهلاكيين، فاللاعبون الاحترافيون في حقيقة الأمر هم الشريحة التي يعول عليها مصممو الألعاب المبدعون عند تقديم أكثر الألعاب فنية وإبداعية، وهذه قضيةٌ أخرى لنا عودةٌ إليها إن شاء الله في تدوينةٍ أخرى.

إذا أعجبتك هذه التدوينة، نأمل منك تسجيل بريدك الإلكتروني بالأسفل حتى يصلك جديدنا أولاً بأول في المجالات التي تهمك:

لا تقلق، نحن أيضاً لا نحب السبام 🙂

مهتم بتدوينات:


كما نأمل منك أن تدعمنا بمشاركة التدوينة على الشبكة الاجتماعية المفضلة لديك:

إيهاب قريبة

طبيب بشري،وعاشق لألعاب الفيديو والأدب والسينيما، أؤمن بأن الألعاب بمقدورها أن تكون وعاء لطرح القصص بشكل لا يقل كفاءة عن الأفلام والأدب، بل وأؤمن بأنها تملك خصائص تجعل الألعاب المتفوقة في هذا المجال، ولكنها تحتاج إلى المصمم المؤمن بقدرتها على ذلك. شخصيتي حسب مؤشر MBTI النفسي هي INTJ.

اخر المقالات
التعليقات ( 3 )
  1. عندما تتجاهل اللعبة التجارة - Xash
    يناير 1, 2014 at 12:18 م
    رد

    […] لا بأس بها وتؤدي غرضها عندما تريد أن تلعب لعبة للتسلية وأنت مستلق ولا تريد إجهاد عقلك بالتفكير أو بمتابعة قصة اللعبة، بينما لعبة DOTA 2 والتي […]

  2. هل التسويق مهم لنجاح اللعبة؟ دراسة حول Flappy bird - Xash
    فبراير 21, 2014 at 12:22 ص
    رد

    […] مسيطرتان تماماً على هذا النمط من اللعب تحديداً. لا يقتصر الأمر على نمط الألعاب فقط بل يتعدى ذلك إلى وضع آليات موجودة في ألعاب مشهورة مثل […]

  3. نظام المحاولة والخطأ (Trial and Error) كأسلوب لعب:ما له وما عليه | in3ash
    نوفمبر 3, 2014 at 9:22 م
    رد

    […] نشرت هذه المقالة في موقع زاش (اضغط هنا) قبل عدة […]

‎اضف رد