[مراجعة تحليلية] لماذا فشلت The Evil Within في أن تكون اللعبة التي توقعنا أن تكونها؟

10478019_603635713082590_7133709052906849591_nمنذ أن أعلن شينجي ميكامي Shinji Mikami عن لعبته The Evil Within وأنه سيعود بها إلى جذور ألعاب رعب البقاء التي ابتدأها في الجزء الأول من سلسلة Resident Evil وجميع عشاق ألعاب الرعب تفاءلوا خيراً بأن اللعبة ستعيد إلى الواجهة ألعاب رعب البقاء اليابانية من جديد بعد غياب سنوات طويلة، وربما ستنشط سوق هذه الألعاب من جديد، وتشجع المنتجين إلى الاستثمار فيها بوتيرة أعلى من الوتيرة الحالية، وتيرة مشابهة لجيلي الـ64 بت والـ128 بت، والأهم من ذلك أنه أخيراً سنجرب لعبة رعب بقاء من الأب الروحي لهذه الألعاب المصمم شينجي ميكامي نفسه بعد تركه لهذا النوع من الألعاب لسنوات، ولكن مع صدور اللعبة أدرك الجميع أن سقف التوقعات كان مرتفعاً جداً، وأن اللعبة أقل منه بكثير، بل قد لا نبالغ  إذا قلنا أنها أقل من أن تكون حتى لعبة رعب بقاء تعلق في الذاكرة، فما الذي حدث؟

لعبة The Evil Within لعبة رعب بقاء أراد من خلالها المصمم ميكامي أن يصالح بعض عشاقه الحانقين عليه، فالمصمم الذي كان سبباً في شعبية ألعاب رعب البقاء وانتشارها عندما ابتكر لعبة Resident Evil سنة 1996، هو -من وجهة نظرهم- نفس المصمم الذي دمر ألعاب رعب البقاء عندما قام في الجزء الرابع من سلسلة Resident Evil سنة 2005 بإدخال عناصر تصويب Shooting مما حول اللعبة إلى لعبة أقرب للأكشن منه إلى رعب البقاء، وهو التغيير التي سارت عليه ألعاب الرعب فيما بعد.

في لعبة The Evil Within أراد ميكامي أن يحجم حجم توجهاته الأكشنية، وأن يصمم لعبة رعب أقرب إلى الجزء الأول من Resident Evil منه إلى الجزء الرابع، وهو ما نجح فيه حقيقة، ولم يخيب أمال عشاقه في ذلك، ولكن لعبة The Evil Within كلعبة بغض النظر عن مستوى الرعب فيها لعبة متوسطة المستوى، تمر بسلام دون أن تستطيع ترك أثر في صناعة ألعاب الرعب سواءاً كان إيجابياً أو سلبياً، بل إن لعبة Dead Space التي صدرت سنة 2008 ولم ترق لعشاق ألعاب الرعب اليابانية الكلاسيكية رغم مستواها الراقي سيذكر التاريخ أنها كانت أكثر تأثيراً في ألعاب الرعب من The Evil Within، هذا على فرض أن كتب تاريخ الألعاب ستذكر هذه الأخيرة من الأساس.

لعبة The Evil Within كعادة ميكامي مستوحاة من عالم السينما، وقد ذكر في مقابلة رائعة له مع صحيفة Le Monde الفرنسية صراحة أنه اقتبس أفكار اللعبة من فيلمي Inception وShutter Island، وكعادته أيضاً نجح في أخذ روح هاذين الفيلمين وثيماتهما الرئيسية ودمجهما سوية بشكل إبداعي خلاق بحيث كان المنتج النهائي لا يمت لأي من الفيلمين بشيء، وهو أمر لا نراه إلا عند المبدع ميكامي، وهو أمر يحسب له وللعبة، بل يحسب لألعاب ميكامي كلها، فطريقته في اقتباس الأعمال الأخرى وإعادة تشكيلها من جديد بحيث ينسى اللاعب المصدر الأصلي للفكرة ويرى فيها فكرة أصيلة وينسبها لميكامي ولا أحد غيره ظاهرة تستحق الدراسة، ولكن هذا ليس بحديثنا الآن، ما نود أن نتحدث عنه هو "لماذا فشلت The Evil Within في أن تكون اللعبة التي توقعنا أن تكونها؟".

1013703_405156486263848_1447648357_n

ميكامي مع The Keeper أحد الأعداء في لعبة The Evil Within.

حقيقة وقبل أن نسهب في الحديث عن ذلك واحقاقاً للحق اللعبة تنجح نجاحاً مذهلاً على صعيد دمج عناصر رعب البقاء بعناصر التصويب التي استحدثها في ألعاب الرعب ميكامي نفسه في Resident Evil 4، بل إن عشاق ألعاب الرعب الأصليين أمثالي ستروق لهم The Evil Within وأجواءها أكثر من Resident Evil 4، لكن هذا ليس معناه أن اللعبة أفضل من هذه الأخيرة كمستوى، مشكلة The Evil Within الرئيسية ليست في عناصر الرعب بل في مستواها كلعبة بشكل عام، بعبارة أخرى اللعبة تنجح كلعبة رعب بقاء لكنها تفشل كلعبة فيديو عامة، ومرد ذلك -من وجهة نظري- لعدة قرارات تصميمية سيئة من شينجي ميكامي يمكن أن نلخصها في النقطتين التاليتين:

خطية اللعبة وفقر اللعبة سينمائياً وتصميمياً

من أسوأ القرارات التي دمرت اللعبة هو قرار جعل اللعبة خطية (Linear game) وهذا يعني أن اللاعب يتحرك في عالم اللعبة في اتجاه واحد من النقطة ألف إلى النقطة باء ثم النقطة جيم وهكذا بنسق تصاعدي، ولا يعود مرة أخرى إلى أي النقاط / المراحل السابقة، وهذا ليس عيباً في حد ذاته، بل إن ميكامي استخدم كلا الأسلوبين من قبل بنجاح، أسلوب اللعب الخطي في لعبة Resident Evil 4، وأسلوب لعب شبه غير خطي (Nonlinear gameplay) في الجزء الأول Resident Evil حيث كانت كل أحداث اللعبة تدور في مكان واحد تجسد في قصر يتحرك اللاعب فيه ذهاباً وجيئة.

المشكلة في لعبة The Evil Within أنها لم تحسن استخدام الأسلوب الخطي، ففي الألعاب الخطية تكون علاقة اللاعب الزمانية بالمكان قصيرة، فاللاعب بالكاد يمر في أماكن اللعبة كعابر سبيل، وبالتالي حتى تترك اللعبة الخطية أثراً في اللاعب عليها أن تكون مميزة على صعيد المكان، مميزة بدرجة تسمح لهذا المكان الذي ستنحصر علاقة اللاعب به بعدة دقائق بأن ينطبع في ذاكرته للأبد، وهذا في العادة يتم بأحد طريقين: الجو العام للمكان (Atmosphere) وعلاقة المكان بأسلوب اللعب (Gameplay).

عندما ننظر للعبة مثل The Last of Us التي أثنى عليها ميكامي نفسه، نرى لعبة خطية بامتياز، اللعبة فعلياً عبارة عن رحلة طويلة عبر طريق طويل، ومع ذلك تبقى كل لحظة وكل خطوة من هذه الرحلة عالقة في الذاكرة بسبب أن الأماكن مصممة بعناية فائقة سواء كتصميم فني يجسد حالة العالم بعد سنوات من الخراب، أو كتصميم من منظور أسلوب اللعب المتمثل في توزيع الأعداء على الأماكن، وطبيعة الصعوبات والتحديات التي يصنعها تصميم المكان للاعب.

1006164_405156509597179_2107984447_n

ميكامي مع مصممي لعبة The Last of Us.

في The Evil Within كل هذا لا وجود له، الأماكن في أغلبها غير مميزة، لا على صعيد الجو والمظهر الفني، ولا على صعيد خدمة أسلوب اللعب، وفي نهاية كل مرحلة لا تجد في ذاكرتك أي أماكن عالقة منها سوى بعض اللحظات هنا وهناك.

شينجي ميكامي في Resident Evil 4 ورغم أنها لعبة خطية إلا أنه عرف وقتها كيف يثقل عالم اللعبة بالكثير من التفاصيل واللحظات المميزة التي جعلت حرفياً كل ثانية في اللعبة لحظة لا تنسى، وهو مالم يعرف أن يفعله هنا، وميكامي نفسه الذي كان مميزاً على صعيد أسلوب اللعب وتسخير تصميم المكان لخدمته كما فعل في أفضل لعبتين له من وجهة نظري God Hand وVanquish، هو نفسه الذي عجز في The Evil Within عن تكرار ذلك رغم أن عناصر أسلوب اللعب في اللعبة مميزة، ودمجه لعناصر رعب البقاء بالتجسس والتصويب كان من أتقن ما رأيت في تجاربي كلها، إلا أن تصميم المراحل لم يخدم هذه الميكانيكيات بشكل كاف مما أفقدها كل بريقها.

سطحية القصة وبواعث الشخصيات رغم أن اللعبة سيكولوجية بالمقام الأول

لطالما كان ميكامي من أولئك المصممين الذين ينطلق في ألعابه من منطلق علمي، فيتكلم عن عدوى فيروسية أو طفيلية تصيب الناس وتحولهم إلى وحوش، أو عن تجارب خرجت عن السيطرة لإعادة استنساخ الديناصورات، ونحو ذلك، وقلما حمل ألعابه أبعاداً إنسانية فلسفية عميقة، وهو نفس الأمر الذي يفعله هنا في The Evil Within، فيتحدث عن تجارب تحدث على أدمغة الناس وأفكارهم وسيكولوجيتهم في مستشفى للأمراض العقلية، وهو موضوع وسمة لم يوفق في اختيارها.

لعبة The Evil Within هي أولى تجارب الرعب النفسي (Psychological horror) التي تأتينا من شينجي ميكامي، وأتمنى أن تكون الأخيرة، فميكامي تناول موضوع لعبته بذات الطريقة التي تناول فيها موضوع العدوى في سلسلة Resident Evil وموضوع إحياء الديناصورات في Dino Crisis الأولى، طريقة تعتمد على الرعب الحسي / رعب البقاء الكلاسيكي عن طريق الوحوش وقلة الذخائر ونحو ذلك، بينما الرعب النفسي يعتمد على أكثر من ذلك، يعتمد على مستوى أعمق من الرعب، على مخاطبة فكر اللاعب وجعله يخاف من أشياء غير محسوسة كالخوف من الخطئية أو القدر السيء الذي يلاحق المذنبين، وخلق شعور دائماً بأن العقوبة آتية لا محالة مثلاً كما في سلسلة Silent Hill، فعند النظر إلى هذه السلسلة الأخيرة ومقارنتها بلعبة The Evil Within تظهر لعبة ميكامي بمنظر مضحك وسطحي ساذج.

لا أدري كيف يتناول أحد مواضيع مثل النفس والأفكار وترابط العقول واقحام أفكار في عقول الآخرين بهذا المقدار من التسطيح، ويحولها للعبة عن وحوش تهجم عليك من كل حدب وصوب لا أكثر، إذا كانت اللعبة عن الوحوش المرعبة وقلة الذخائر فما الحاجة لأن تكون لعبة رعب نفسي؟

عند النظر لأفلام مثل Evil Dead وJurassic Park وأفلام المخرج George A. Romero التي اقتبسها ميكامي في ألعابه السابقة، نراه قدم أعمالاً أعمق وأرقى من الأعمال التي اقتبسها، بل إن بعض أعماله تجاوزت بعض هذه الأفلام وأصبحت أكثر شهرة وخلوداً منها، ولكن عندما ننظر إلى فيلمي Inception وShutter Island اللذين اقتبس لعبته The Evil Within منهما سنرى مدى سطحية وسخافة قصة اللعبة وكيف أنها أخذت الأفكار العميقة التي ناقشها الفيليمين وحولتهما إلى شيء سخيف، وهذا يحصل لأول مرة في تاريخ ميكامي!

هذا التسطيح بدوره جعل شخصيات اللعبة للنسيان، فجميع شخصيات اللعبة لا بواعث مقنعة لها، ولا مبررات تذكر لكل ما يحدث، لا العالم المجنون الذي قرر القيام بتجارب على العقل البشري له مبررات ترقى لأن تكون مبررات عالم متخصص في مجال النفس والأعصاب، ولا المرضى النفسيين لهم خلفية عميقة ترقى لأن تجسد هماً إنسانياً يدفعهم للجنون، اللعبة فعلياً تقدم مجموعة شخصيات هوليودية بحتة لا ترقى إلا بفيلم رعب رخيص.

10606609_639207762858718_4607071326895697306_n

من لعبة The Evil Within

إذن خلاصة القول، لعبة The Evil Within كانت لتكون لعبة رعب عظيمة لولا بعض القرارات التي عفى عليها الدهر في تصميم اللعبة كلعبة، وفي الرؤية الإخراجية لشينجي ميكامي، وهذا يجعلني حقيقة أتخوف أن يكون ميكامي من جملة المصممين اليابانيين الذين يعانون من  تجاوز صناعة الألعاب لمفاهيمهم وأفكارهم التي استهلكت، لكنني لا أتمنى ذلك، وأتمنى أن تكون اللعبة مجرد كبوة جواد، وضربة تقوي ميكامي عوضاً عن أن تكسره، وحقيقة لا أنكر أن اللعبة لو حظيت بجزء ثاني فسأكون أول المتحمسين له، فاللعبة تحمل في طياتها أفكاراً بمقدورها أن تصنع لعبة تجعلها واحدة من علامات ألعاب رعب البقاء الخالدة شريطة أن تتخلى عن الجانب النفسي أو أن ترقى له.


أعجبك المحتوى؟

تفضل بتسجيل بريدك الإلكتروني حتى  تصلك التدوينات القادمة فور نشرها في المجالات التي تهمك:

لا تقلق، نحن أيضاً لا نحب السبام 🙂

مهتم بتدوينات:

كما نرجو منك عزيزي القاريء بأن تدعمنا بنشر هذا المحتوى على الوسط المفضل لديك من الشبكات الاجتماعية.


 

إيهاب قريبة

طبيب بشري،وعاشق لألعاب الفيديو والأدب والسينيما، أؤمن بأن الألعاب بمقدورها أن تكون وعاء لطرح القصص بشكل لا يقل كفاءة عن الأفلام والأدب، بل وأؤمن بأنها تملك خصائص تجعل الألعاب المتفوقة في هذا المجال، ولكنها تحتاج إلى المصمم المؤمن بقدرتها على ذلك. شخصيتي حسب مؤشر MBTI النفسي هي INTJ.

اخر المقالات
التعليقات ( 8 )
  1. Mohammad
    ديسمبر 4, 2014 at 9:20 ص
    رد

    يعطيك العافية على الموضوع الرائع
    وحقيقة قرأت مرجعات عديدة بخصوص اللعبة , ولم أفهم بالضبط لماذا هذه اللعبة لم تكن عند حسن ظننا
    ولكن مقالتك الرائعة أوصلت لي الفكرة بشكل سلس

    • إيهاب قريبة
      ديسمبر 4, 2014 at 3:41 م
      رد

      شكرا على هذا الاطراء ^_^

  2. rabah
    يناير 21, 2015 at 5:02 م
    رد

    لا أوافقك بتاتا فلقد لعبت معظم سلسلات الرعب ، لذايمكنني القول ان لكل لعبة خصائصها و ميزاتها فان تتبعنا تمنياتك لوصلنا للعبة مقلدة من الالعاب المذكورة الاخرى …
    هذا ما يثبت محدوديتك في الحكم على اللعبة يمكنك أن تعطي رأيك ولا يمكنك باي شكل من الأشكال أن تحكم عليها برأيك =)

  3. hammam
    مارس 3, 2015 at 5:02 م
    رد

    لا أوافقك الرأي بتاتا اللعبه لا توصف وبالنسبة لي منذ فترة لم أشعر بالرعب إلا مع هذ الاصدار

  4. جلال صالح
    مارس 7, 2015 at 8:54 ص
    رد

    اصبحت العاب الرعب مملة ومش حلوة لماذا لان السبب الاكشن فيها زايد
    لعبة. Resdent Evil 4. هذة اللعبة سبب في افشال العاب الرعب
    لانها اكشن وصارت الالعاب الرعب مثلها عادية ليس فيها القاز صعبة
    او تصميم رايع من افظل العاب الرعب صراحة Alone in the DArk
    الجزا الاول وسلسة سيلنت هيل الى غاية الجزا الثالث وسلسلة
    Resdent Evil الى غاية الجزا الثالث وبعدها اصبحت العاب الرعب اكشن ظاعت المتعة فيها وللاسف هذا سايستمر سنوات

  5. احمد
    أغسطس 5, 2015 at 9:48 م
    رد

    استغرب جدا في انتقادك الشديد لهذه اللعبة الرائعة !!
    عموما اذا كان هذا رايك فاحتفظ به لنفسك
    اللعبة قمة في الروعة والجمال ولكن ميكامي ماخلانا ناخذ نفسنا ونرتاح !! مافي باب تفتحه ولا مكان تروحه الا وتنتظرك فيه مصيبة سودة

  6. Uae.gamzer
    ديسمبر 27, 2015 at 7:32 ص
    رد

    اللعبة جداً عادية صحيح فيها رعب لكن شو فايدة الرعب اذ اللعبه مافيها قصه ومافيها موسيقى ؟
    جو اللعبه كئيب مافيها الحان وموسيقى
    القصه ضعيفه ومالها مغزى تحس الاحداث والقصه تسليك
    والبطل تحس ماعنده حياه والشخصيات الثانويه مالها دور
    بالنسبة لي سلسلة سايلنت هيل ستظل الاروع من كل النواحي

  7. عبدالله الشريف
    ديسمبر 3, 2016 at 9:23 ص
    رد

    رأيك خاطئ 100 ب 100 اللعبة اسطورية بمعنى الكلمة

‎اضف رد