لماذا نحتاج أن نلعب ونصنع الألعاب كل يوم؟

قبل حوالي 2500 سنة، نسبةً إلى المؤرخ الإغريقي هيرودوتس (Herodotus) ، أول ألعاب صُممت في التاريخ كانت ألعاب النرد، وكانت أدواتها تتكون من مفاصل الخرفان، ضمن أحد اختراعات مملكة ليديا العتيقة، التي كانت تطل على البحر الأبيض المتوسط في ذاك الزمن الغابر، والتي كانت تقع في مكان ما غرب تركيا في الزمن الحديث. يقول هيرودوتس أن مملكة ليديا مرت بها مجاعة قاسية، وكان شعبها يتقاتلون على الأكل والشرب من أجل البقاء؛ عندها، قرر ملك ليديا بسن قانون غريب على كافة شعب المملكة، باختصار: الشعب يأكل يوم ثم يلعب يوم. فكان الشعب يأكل يوماً ويستغرق في ألعاب النرد اليوم التالي بدون أكل.

مصدر الصورة: http://ancientresource.com/lots/roman/roman_dice.html

مصدر الصورة: http://ancientresource.com/lots/roman/roman_dice.html

يقول هيرودوتس أن قانون الألعاب هذا خفف حدة الجوع على الشعب لمدة 18 عاماً في ظل تلك المجاعة، لكن المجاعة لم تكن لتتلاشى أو تضعف. عندها قرر الملك بتقسيم شعبه إلى نصفين، يلعب النصف الأول من الشعب مع النصف الثاني لعبة واحدة من ألعاب النرد، مرة أخيرة، يتحتم على المنتصر فيها بأن يخرج من المملكة في مغامرة عظيمة بحثاً عن مكان آخر يعيش فيه تاركاً وراءه النصف الآخر من الشعب ليأكل مما كان لديهم من الموارد في ليديا آملين أن يُبقوا على حضارتهم من خلال الهجرة إلى مكان آخر ينعم بالخيرات.

تبين بعد ذلك في عصرنا الحديث، من خلال أدلة DNA، أن الليديين الذين خرجوا بعد فوزهم في اللعبة المصيرية يشاركون نفس الـDNA للإتروسكانيين، شعب الحضارة الإتروسكانية، الذين أدت حضارتهم إلى تأسيس الحضارة الرومانية لاحقاً. لذا، بعض العلماء الحاليين ذهبوا إلى أن قصة هيرودوتس المجنونة قد تكون صحيحة.

طيب.. ما المغزى من هذه القصة المجنونة؟

المغزى هو أن ترفيه الألعاب ساهم بشكل كبير في تخفيف عناء شعب، أنقذ حضارته؛ ببناء حضارة أخرى عوضاً عن الموت جوعاً.

ما دخل هذا بصناعة الألعاب؟

من خلال بحث عن الألعاب الإلكترونية، بتركيز على ألعاب الإنترنت الجماعية بالتحديد، على يد باحث في جامعة كارنيجي ميلون (Carnegie Mellon University) الأمريكية، أظهرت إحدى الإحصائيات بأن الشاب المتوسط في عدد ساعات اللعب، في أي دولة فيها مجتمع لاعبين نشط، يكون قد قضى 10 آلاف ساعة من عمره في لعب الألعاب الإلكترونية عند وصوله إلى 21 سنة. 10 آلاف ساعة، توازي عمل دوام كامل بأربعين ساعة أسبوعياً لمدة خمس سنين. 10,080 ساعة توازي بالضبط إتمام الدراسة من الصف الخامس الابتدائي إلى التخرج من الثانوية، إذا افترضنا أن الطالب حضر كل حصصه بدون أي يوم غياب. أيضاً في كتاب Outliers للمؤلف الكندي Malcolm Gladwell، كانت هناك نظرية مبنية على أبحاث للمؤلف، ذكر فيها أن أي شخص يقضي 10 آلاف ساعة في تعلم شيء ما في أي مجال؛ سيصبح مثل أفضل ناس في العالم في ذلك المجال. بمعنى أن اللاعب الطبيعي في مجتمع ألعاب نشط، مثل مجتمعات الخليج تقريباً، عنده نفس القدرات المكتسبة من خلال الألعاب كما هو الحال بالنسبة لأفضل لاعبي العالم في مجتمعات مثل فنلندا أو أمريكا.

طيب.. ما هي القدرات المكتسبة من لعب الألعاب؟

في بحث للباحثة الأمريكية ومصممة الألعاب في نفس الوقت Jane Mcgoingal (أغلب هذه التدوينة مستند على حديث لها في TED)، قامت جاين بدراسة أهم القوات التي يكتسبها وينميها اللاعبون من لعبهم والتي تجعل منهم ناس بقدرات هائلة من ناحية الخبرة. كانت هذه القوات كالتالي:

1. التفاؤل المُلح (Urgent Optimism) بمعنى أن اللاعبين متحفزون دائماً للعمل، وبشكل آني؛ في أي شيء يطور عالم لعبتهم وشخصياتهم، بدون أي لحظة تذهب هباءاً منثوراً. ويعود ذلك لسبب أن الألعاب تعطيهم استجابة فورية (Instant Feedback) لأعمالهم وتجازيهم على عملهم فور الانتهاء من مهامهم.

2. النسيج الاجتماعي (Social Fabric) ويعني أن اللاعبين يكسبوا ثقة بعض سريعاً في الألعاب، لأنهم – وبالذات في ألعاب الإنترنت الجماعية مثل World of Warcraft – يكونوا نسيج جماعي يجعلهم متشاركين في نفس الأهداف، وحتى إن لعبوا ضد بعض فهم يثقوا بأن اللاعبين سيحترموا قوانين اللعب، مثل أنهم ينهوا المباراة حتى يفوز أحدهم، وسيعملون لتحقيق المهام معاً من أجل اللعب بدون معرفة سابقة لبعض.

3. الإنتاجية الرغدة (Blissful Productivity) يعني أن اللاعبين يفضلوا العمل على الكسل ويشعروا أن الألعاب تستغل طاقاتهم الإبداعية بشكل يجعلهم يعطوا المزيد دوماً بدون أي إحساس بالاستغلال ولهذا السبب يقضي اللاعبين في ألعاب الإنترنت الجماعية ما يقارب 22 ساعة أسبوعياً كأنهم يعملوا وظيفة ثانية بدوام جزئي بدون ما يشعروا بصعوبة الأمر.

4. الغاية الخنفشارية أو الأسطورية (Epic Meaning) وهي تعني أن اللاعبين يعملوا من أجل غايات إلهامية على مستوى البشرية والكون بأهداف ثقيلة الوزن مثل إنقاذ العالم من براثن الشر بشكل يعطيهم دفعة معنوية قوية بحجم الإنجاز العظيم الذي دائماً ما يحققونه في الألعاب.

طيب .. ما دخل هذه القوات الأربعة الخارقة في حياتنا اليومية؟

قبل أن ادخل في تفاصيل الجواب على هذا السؤال، أريد أن أعطيك بعض الأرقام:

– حتى عام 2010، كان هناك 500 مليون لاعب حول العالم. تشير الإحصائيات إلى أن عدد اللاعبين سيصل إلى 1.5 مليار في عام 2020.

– قضى اللاعبون حتى عام 2012 في لعبة الإنترنت الجماعية World of Warcraft ما يتجاوز 5.93 مليون سنة من وقت اللعب.

عدد اللاعبين في تصاعد، وبالتالي عدد الساعات المنقضية في لعب الألعاب ستتضاعف، مما يعني أن القدرات المكتسبة من الألعاب ستزدهر في اللاعبين.

المشكلة هي أن اللاعبين لديهم خبرة في العالم الافتراضي وليس عالمنا الحقيقي. لو قدرنا نستغل هذه القدرات المثالية للاعبين في العالم الحقيقي ستكون هناك ثورة حقيقية في عالمنا العربي؛ خصوصاً لأننا مستهلكين جيدين للألعاب وهذا ما سيأخذني إلى الرسالة التي أريد أن أوصلها من خلال هذه التدوينة.

الرسالة هي أن صناعة لعبة هي لعبة بحد ذاتها تتطلب تفاؤل مُلح ونسيج اجتماعي وإنتاجية رغدة وغاية خنفشارية. لترسيخ المفهوم استرسل بالنقاط التالية:

– برمجة لعبة أو العمل على تصميمها يعطي استجابة فورية (Instant Feedback) لأن البرمجة ببساطة تعطيك مخرجات فورية على السطور البرمجية (Code Lines) التي كتبتها على أي محرك سواءاً Unity أو GameMaker وغيرها وتظهرلك الأخطاء إن كانت هناك أخطاء برمجية وبالتالي تعطيك تفاؤل لتحريك شخصية أو تصميم مرحلة وهكذا.

– المشاركة في مسابقات تطوير الألعاب مثل زنقة تاكو عربياً تصنع نسيج اجتماعي للمطورين بالرغم إنهم لا يعرفوا بعض شخصياً ومع ذلك ممكن يشتغلوا مع بعض بكل جدية وحماس.

– أيضاً، مطوري الألعاب مستعدين يعطوا ألعابهم وقت كبير للعمل عليها مع أن معظمهم موظفين بدوام كامل وخلفهم مسؤوليات عظيمة وهو مما يجعلهم من أصحاب الإنتاجية الرغدة وهي القدرة المكتسبة من لعب الألعاب.

– وأخيراً، بالنسبة للغاية الخنفشارية، هل فيه أعظم من صناعة لعبة عربية تغير الصورة البائسة للعرب في أنظار العالم أو تسعد أطفال الحروب اللاجئين؟

باختصار، اللاعبين ثروة بشرية قادمة قادرة على إشعال فتيل النهضة بصناعة الألعاب!

اسئل نفسك سؤال: كيف استطاع اليابانيون بعد دمار قنبلة هيروشيما النووية في عام 1945 أن يوقفوا من جديد، ويبنوا قوى عظمة في عالم صناعة الألعاب ابتداءاً من عقد السبعينات وحتى اليوم؟

مصدر الصورة: https://pastlands.wordpress.com/tag/traditional

مصدر الصورة: https://pastlands.wordpress.com/tag/traditional

نحن الآن نعيش فترة دمار وحروب وضعف صناعي رهيب. الألعاب توفر وسيلة تعبير مفتوحة للجميع، واليابانيين استخدموها لإظهار حضارتهم وتراثهم في ألعاب كثيرة مثل ألعاب الساموراي والنينجا مثل Onimusha أو Ninja Gaiden أو حتى ألعاب بينت العصر الحديث لليابان مثل Shenmue. هذه الألعاب ألهمت الملايين حول العالم، ومن خلالها أحب الكثير من اللاعبين اليابان وشعبها، وأصبح لليابان صناعة قوية عززت اقتصادهم.

 

لذا، نحتاج أن نلعب ونصنع الألعاب لأن السبيل موجود أمامنا اليوم لنصور للعالم حضارتنا وتراثنا في ألعابنا حتى نلهم العالم بقصصنا وصدقوني لا أرى ذلك بعيداً ابداً لأن الألعاب غرست فينا أساسيات صناعة الألعاب.

 

المصادر

– قصة مملكة ليديا نسبة إلى المؤرخ هيرودوتس [بالإنجليزية]

هذا الفيديو هو لحديث الباحثة الأمريكية Jane Mcgonigal في حدث TEDx عام 2010 وهو مترجم بالعربية!

– مصدر صورة التدوينة

أشرف باروم

مؤسس Xash، يطمح في أن يضع الإلهام في عقول الطامحين لصناعة التقنية وصناعة ألعاب الفيديو وصناعة الأفلام في الوطن العربي لبدء ثورة فكرية من خلال إثراء المحتوى العربي على الإنترنت.

اخر المقالات
التعليقات ( 4 )
  1. أسامة ديب
    يوليو 14, 2015 at 9:15 م
    رد

    مقالة جميلة ، اللاعبين العرب يمكن أن يكونوا مطورين ذات مستوى عالي خصوصا إن كانوا ممن قضوا وقت كبير باللعب ، لكن مما يجدر ذكره انهم يحتاجون الفتيل والمحرك الأساسي الذي ينقلهم من مدمني ألعاب إلى مطوري ألعاب

    • أشرف باروم
      أغسطس 21, 2015 at 9:12 ص
      رد

      @أسامة: الفتيل سيكون عبارة عن برامج تصميم وبرمجة الألعاب وهي موجودة كمحركات يونتي وجيم ميكر وكذلك وفرة المصادر التعليمية وهي موجودة بالإنجليزية وناقصة كثيراً بالعربية ونطمح في زاش في إثراءها. الآن كلما زادت هذه العناصر كلما زاد تحول اللاعبين العرب من مستهلكين فقط إلى منتجين ومطوري ألعاب.

  2. عماد عارف
    يوليو 18, 2015 at 7:56 م
    رد

    مقالة أكثر من رائعة , مشكلة العرب انة لايوجد الدعم الكافية , لايوجد من يهتم لاحظ في عرب صراحة قدموا العاب جميلة يعني عندهم النية لتعلم و لدخول عالم صناعة الالعاب لكن مافي احد يدعهم المشكلة ان مافي استديوهات تعلم تطوير الالعاب في العالم العربي ايضاً لاتوجد معاهد لتعلم تطوير الالعاب ,في نية كبيرة من قلبنا لتعلم تطوير الالعاب , في النهاية ياريت لو في ناس تهتم و تدعم الناس الي تحب تطوير الالعاب و الي قدمت شيئ ولو بسيط :).

    • أشرف باروم
      أغسطس 21, 2015 at 9:17 ص
      رد

      @عماد: السوق العربي ما زال في بداياته ويحتاج إلى الكثير من الإسهامات حتى يلفت نظر المستثمرين وجهات الدعم من الجامعات والمعاهد والشركات. مع تقدم المزيد من مطوري الألعاب في المنطقة في اكتساب المزيد من الخبرة سيكون هناك شأن كبير لصناعة الألعاب في الوطن العربي وهذا يحتاج إلى الكثير من الإسهامات الذكية بأقل التكاليف ولكن بنتائج قوية.

‎اضف رد