[مقالة إلهامية] بلورة مفهوم ألعاب المؤلف انطلاقاً من سينما المؤلف

من أكثر الفنون ارتباطاً بصناعة الألعاب فن السينما، لارتباطهما بفعل الحكي والقص ولكن بشكل مغاير للأدب الذي يحكي ويقص بالكلمات، فكلاهما اختارا أساليباً أخرى للحكي تعتمد على الصورة بشكل أكبر، وهذا الربط الذي أحرص على تأكيده كثيراً وفي أكثر من مقال ما هو إلا لتوصيل رسالة مفادها أن على صانعي الألعاب -من وجهة نظري الخاصة- دراسة تاريخ السينما وتطورها وكيف تحولت من فن تجاري مهمش إلى أن أصبحت أم الفنون واستلهام ذلك إذا ما أرادوا الخروج بصناعتهم من دائرة الصناعة الترفيهية الاستهلاكية التي لا تقدم للبشرية شيئاً يذكر غير بعض الساعات المهدرة وتحويلها لصناعة ذات بعد إنساني ثقافي فني تسهم في إثراء مخزون الجمال الإنساني وتهذيب النفوس البشرية في مواجهة كم الهراء والقبح الذي يحيط بنا في عالم كثر فيه الحروب والتطرف والعبودية المقنعة لرأس المال وغيره من أشكال القبح.

في تاريخ السينما توجد العديد من اللحظات المفصلية تشكل نقاط تحول وولادة لهذا الفن العظيم، ومن هذه اللحظات اللحظة التي فاز فيها الفيلم الإيطالي “الحياة الحلوة La Dolce Vita” للمخرج الشهير فيديريكو فيليني Federico Fellini بالسعفة الذهبية لمهرجان كان سنة 1960، وذلك لأنه كان خير تجسيد لما عرف بـ”سينما المؤلف Auteur theory” والتي كثر عنها الحديث من قبل النقاد في مجلة “كراسات السينما Cahiers du Cinéma” الفرنسية خلال السنوات التي سبقت ذلك الفوز، هذا الفوز الذي كان بمثابة التتويج لسينما المؤلف، وإعلان لبداية حقبة جديدة في تاريخ السينما.

la_dolce_vita

بوستر فيلم “الحياة الحلوة La Dolce Vita”

سينما المؤلف Auteur theory

سينما المؤلف هي سينما لها تعاريف كثيرة متباينة ولكن لنقل أنها سينما تقوم على فكرة مفادها أن الفيلم هو عبارة عن مرآة تعكس أفكار المخرج وهواجسه ونظرته للعالم والقضايا المختلفة، كما لو أن المخرج تخلى عن قصر دوره على عملية تنظيم تصوير الفيلم واختيار زوايا صورته ونحوه وتحول إلى مؤلف يكتب مقالاً أو رواية، بعبارة أخرى أن سينما المؤلف تنظر إلى المخرج على أنه أكثر من مجرد مهني حرفي مسؤوليته تحويل سيناريو ما إلى فيلم مثير يدر الأرباح، وأن المخرج ليس فقط ذلك الشخص الذي يصرخ في الممثلين حتى ينفذوا اللقطات كما يريد، بل إن المخرج في نظرية سينما المؤلف فنان حقيقي تواجهه في حياته أو الصحف اليومية مشاكل تؤرقه فيقرر أن يصنع فيلماً عنها، وأن يقول رأيه في الكثير من القضايا التي تشغله وتشغل البشرية.

Citizen-Kane-finally-plays-Hearst-Castle-3Q144DEM-x-large

أحد أشهر مشاهد فيلم “المواطن كين Citizen Kane” الذي يعتبره البعض البداية الحقيقية لسينما المؤلف.

سينما المؤلف سينما تنادي بأن يستخدم المخرج كاميرته كما يستخدم الكاتب قلمه في التعبير عن نفسه وعما يؤرقه ويشغل باله Caméra-stylo (camera-pen)، وتنادي بتقليص دور كتاب السيناريو، وجعل المخرج نفسه من يقوم بكتابة سيناريو فيلمه، وهي سينما تحاول أن تكون بديلة للسينما التجارية المجسدة في غالبية أفلام هوليوود وبوليوود والتي تركز على إثارة عواطف المتفرجين وحماسهم وأحياناً غرائزهم، هي سينما تحاول أولاً وأخيراً أن تخاطب عقول المتفرجين وذائقتهم الجمالية، وأن تضيف شيئاً جديداً لهم، وأن تجعل المخرج فناناً حقيقياً وليس مجرد ترس في عجلة إنتاج الفيلم التي تتم بمباركة المنتجين الذين يملكون المال ويرغبون في استثماره.

ومن جملة الأشياء التي تتميز بها سينما المؤلف جنوحها للتجريب، فهي سينما لا تجعل أولويتها الأولى الربح المادي، وهذا يجعلها: أكثر جنوحاً للمجازفة وتجريب أشياء جديدة غير مؤلوفة قد يرى المخرج المؤلف أنها أكثر تعبيراً عما يريد قوله، وهذا يخلق لنا أنواع سينمائية جديدة، ويجعل أمامنا مخرجين أصحاب أساليب خاصة مميزة بهم كما في سينما David Lynch (مثل فيليميه: Eraserhead وLost Highway) وQuentin Tarantino (مثل فيلمه: Pulp Fiction) على سبيل المثال، علاوة على ذلك فإن المخرج الذي جعل الكاميرا وسيلته للتعبير أصبح له مطلق الحرية في استخدام هذه الآلة وابتكار أساليب إبداعية وجديدة لم تكن معروفة من قبل لتوظيف الكاميرا في هذا الاتجاه، وبالتالي المساهمة في إثراء اللغة السينمائية وظهور تيارات سينمائية جديدة.

سينما المؤلف كانت موجودة منذ بدايات تاريخ السينما وقبل فيلم فيليني الذي نال عليه السعفة الذهبية، فمخرجين مثل Howard Hawks وJean Renoir والهندي Satyajit Ray والياباني Akira Kurosawa والعظيمان Alfred Hitchcock وCharlie Chaplin كانوا يعتبرون مخرجين مؤلفين، ولكن سينما المؤلف لم تظهر كمصطلح إلا مع مجلة “كراسات السينما” ونقادها في الخمسينات من القرن الماضي وعلى رأسهم المخرج والناقد الفرنسي François Truffaut، تلك الكتابات كان لها دور كبير في بلورة المفهوم بشكل أكبر، بشكل ربما لم يكن يعيه أولئك المخرجون الذي كانوا مخرجين مؤلفين من قبل ظهور المصطلح، هذه البلورة هي ما مهدت فيما بعد لظهور فيلم فيليني “La Dolce Vita” الذي حصد عليه سعفة كان الذهبية معلناً بداية تيار جديد في السينما، تيار واضح المعالم إلى حد ما ويمارسه المخرج الفنان بشكل واع عكس ما كان عليه الحال قبل ذلك.

قد لا أكون سينمائياً حتى أستطيع توصيل مفهوم سينما المؤلف بشكل جيد للقراء، ولكن يمكنني أن أنصحكم لفهم أكثر لسينما المؤلف أن تشاهدوا أفلام المخرجين الذين يمثلون هذا التيار مثل المخرج المصري يوسف شاهين والفلسطيني إيليا سليمان وIngmar Bergman وAndrei Tarkovsky وWoody Allen وPedro Almodóvar وDarren Aronofsky وLars von Trier بالإضافة للأسماء التي ورد ذكرها قبل ذلك في جنبات المقال، ومقارنة ما رأيتموه عند هؤلاء المخرجين المؤلفين بأفلام أساطير السينما التجارية -التي تعتبر على طرف النقيض من سينما المؤلفين-، وأفضل مخرجيها أسماء مثل James Cameron وPeter Jackson وGeorge Lucas وSteven Spielberg.

youssef_chahine

المخرج المصري يوسف شاهين

من وجهة نظري الخاصة فإني أنصح لمن يحب التعرف على سينما المؤلف وتجربة هذه النظرة المغايرة للسينما أن يبدأ بأفلام يوسف شاهين، فيلم “عودة الابن الضال” ثم سلسلة أفلام سيرته الذاتية الممثلة بالأفلام “إسكندرية ليه؟” و”حدوتة مصرية” و”إسكندرية كمان وكمان” والتي تجسد معظم أفكار سينما المؤلف من ذاتية المحتوى وتعبيره عن رؤية المخرج والنزوح إلى التجريب والتجديد في أساليب الخطاب السينمائي.

روابط:
قائمة بأشهر المخرجين المؤلفين: اضغط هنا.
مجموعة من المقالات التي تتحدث عن سينما المؤلف: [1]، [2]، [3]، [4]، [5]، [6]، [7]، [8]، [9].
موقع مهرجان سينما المؤلف في الرباط أحد أشهر المهرجانات المتخصصة في سينما المؤلف في العالم: اضغط هنا.
روابط خاصة بمهرجان Independent Spirit الخاص بالسينما المستقلة التي تعتبر سينما المؤلف أهم روافدها: [1]، [2].

ألعاب المؤلف !

نعود إلى السبب الذي دفعني إلى كتابة هذا المقال عن السينما رغم تواضع معلوماتي السينمائية، ما أردت قوله من كل هذا: لماذا لا يكون لدينا ألعاب مؤلف على غرار سينما المؤلف؟ يكون لدينا ألعاب يقوم من خلالها المصمم بالتعبير عما يجول في خاطره وآراءه، وكما يستخدم المؤلف قلمه والمخرج كاميراته لماذا لا يستخدم المصمم “التفاعل أو أسلوب اللعب Gameplay” الذي يشكل جوهر الألعاب في التعبير عما يريده؟

لا يمكن أن ننكر أن هنالك منذ بدايات عهد الألعاب توجد ألعاب مؤلفين -تماماً كما كان الأمر في السينما مع بداياتها-، فألعاب مثل Papers, please لعبة مؤلف من طراز رفيع (راجع المقال هنا)، ولعبة The Binding of Isaac تجسد بشكل موارب طفولة مصممها Edmund McMillen، ولعبة Limbo وBraid تحدث مصمميها في أكثر من مقابلة عن هذه الألعاب تعبر عنهم بأكثر من طريقة، وهكذا مع غيرها من الألعاب خاصة موجة الألعاب المستقلة Indie Games التي انتشرت في السنوات الأخيرة، ولكن رغم كل هذه الأسماء تبقى هذه الألعاب مجرد تجارب متناثرة هنا وهناك، ولا ترقى لمستوى التيار الواضح، ناهيك أن بعض مصممي هذه الألعاب لا يعي كيف أصبحت لعبته هكذا ذاتية، كما لو كان ظهورها بهذا الشكل محض صدفة بحتة.

2708489-1254111938-18591

من لعبة The Binding of Isaac تجسد بشكل موارب طفولة مصممها Edmund McMillen.

حقيقة أعتقد أن صناعة الألعاب ومصمميها بحاجة إلى التعرف على سينما المؤلف والاستفادة من تجربة السينمائيين المؤلفين، والأهم تجربة ودراسة تلك الألعاب التي تحمل في داخلها بذور لما يمكن أن نسميه “ألعاب المؤلف”، ومعرفة ما جعل هذه الألعاب ذاتية إلى هذا الحد، ولديها المقدرة على التعبير عن مصمميها وعكس ثقافتهم ونظرتهم للحياة ككل ومعرفة كيف وظفوا التفاعل وطريقة اللعب لتحقيق ذلك الهدف.

وهذا الحديث بدوره يأخذنا إلى حاجتنا الملحة في عالم “صناعة الألعاب” إلى تيار نقد جاد يأخذ دور مجلة “كراسات السينما” في بلورة مفهوم سينما المؤلف لبلورة مفهوم ألعاب المؤلف لعل وعسى يأتي اليوم الذي نرى فيها اللعبة التي تكون بمثابة فيلم “الحياة حلوة” للسينما.

ختاماً، ربما يكون الانطلاق من هذه النقطة أفضل لصناعة الألعاب من كل ارهاصات الحديث عن “أساليب القص في الألعاب” و”القص التفاعلي”، نحن نحتاج في البداية إلى مصممي ألعاب لا يرغبون في قص القصص من خلال الألعاب بقدر حاجتهم الملحة للتعبير عن أنفسهم من خلالها.

إيهاب قريبة

آخر المقالات
التعليقات ( 3 )
  1. عبد الرحمن خلوف
    4 ديسمبر، 2014 at 7:22 م
    رد

    جميل جداً كالعادة
    أنا أعتقد أن هذا أمر صعب نراه في الألعاب في الوقت القريب، لكثير من الاعتبارات، أهمها أن الإندي حتى وإن كانت ألعابهم فنية إلى حد ما إلا أنهم يبحثون عن الربح في ألعابهم لأجل الاستمرار، أما المستثمرين فمن الصعب أن يستثمروا في ألعاب قد تكون خاسرة لأن الألعاب حتى الآن لا تعد فن كما تعد الأفلام فناً (من حيث نظرة المجتمع)… فممكن للمستثمر أن يستثمر في فلم يرى أنه سيثري الوسط ثقافياً أما في الألعاب فهذا أمر نادر الحدوث وقد لا يحدث كثيراً حتى مع نضوج هذا الجيل لأن الألعاب قد لا تعامل على أنها وسط فني نقي 100% أبداً (هذا بدوره موضوع طويل ولن أخوض به الآن)

  2. أشرف باروم
    8 ديسمبر، 2014 at 10:03 ص
    رد

    مقال رائع وأعجبني شخصياً. شكراً لك إيهاب.

    أسئلة راودتني: كيف لنا أن نعرف أن فيلم ما مارس مخرجه التعبير عن أفكاره على طريقة “سينما المؤلف”؟
    لاحظت أنك ذكرت فيلم Pulp Fiction ولم أكن أعلم بأن مخرجه كوينتن تارانتينو عمله بأسلوب سينما المؤلف. هل هذا يعني أن أي مخرج كتب سيناريو فيلمه بنفسه هو مخرج مؤلف يعمل على طريقة “سينما المؤلف”؟

  3. الحصرى توداى
    25 فبراير، 2018 at 6:50 م
    رد

    شكرا لك على التقرير

‎اضف رد